إلى القمر وما هو أبعد من ذلك

يريد الرئيس الأمريكي ترامب أن يعود البشر إلى القمر بحلول عام 2024، وذلك في نطاق عصر جديد من استكشاف الفضاء.

ولكن ما الذي سيتطلبه تحقيق ذلك؟

تثير عجلة ذات 12 دولابا غمامة من الغبار رصاصي اللون أثناء مسيرها في الأرض غير المستوية. تتميز "شاحنة الفضاء" هذه بمقصورة قيادة معدلة الضغط مما يتيح لرائدي الفضاء داخلها التنفس بشكل طبيعي دون الحاجة لبذلات فضاء.

يشعر الرائدان بالإرهاق بعد يوم قضياه بالبحث عن مخزونات مائية وجليدية على مسافة بضعة كيلومترات من قاعدتهما.

هذا المشهد يمثل القمر في عام 2050.

وبينما تلتف العجلة حول الحزام المرتفع لحفرة قمرية كبيرة، يرى الرائدان التماع المرايا المثبتة على حافة الحزام. تقوم هذه المرايا بتوجيه ضوء الشمس نحو داخل الحفرة القمرية وتزويد منجم نصب داخلها يقوم باستخراج الماء والجليد بالطاقة. وتمر العجلة إلى يسار قاعدة إطلاق وهبوط سوِّيت باستخدام أشعة المايكروييف، حيث تقف مركبة الإنطلاق بانتظار الإنطلاق نحو الفضاء.

وتتوقف العجلة أخيرا قرب قباب قاعدة تقع في القطب الجنوبي للقمر. ويلج الرائدان المكان الذي يقيمان فيه من خلال حجرة مكيفة الضغط وينزعان بذلتيهما الفضائيتين المتسختين بغبار القمر. وفي داخل مكان الإقامة، يمكن مشاهدة اشعاعات غريبة الألوان تبثها مصابيح LED وهي تنبعث من بيت زجاجي تنمو فيه البطاطا والكرنب. يتسلق الرائدان سلما يؤدي بهما إلى طابق علوي حيث ينتظرهما قائد الرحلة ليستمع إلى التقارير التي سيوافيانه بها عن نشاطاتهما لذلك اليوم.

تبدو السيناريوهات كهذا السيناريو نسجا من الخيال، في عالمنا اليوم على الأقل، ولكنه يشرح طريقة واحدة يمكن للبشر أن يعيشوا بها على سطح القمر.

فلو كنا نبتغي تأسيس قاعدة تصلح للإقامة الطويلة الأمد على سطح القمر، ينبغي علينا استغلال الموارد الموجودة فيه لإشباع احتياجاتنا.

هانا سارجنت: "جيلي سينفذ هذا بالتأكيد"

هانا سارجنت: "جيلي سينفذ هذا بالتأكيد"

هانا سارجنت: "جيلي سينفذ هذا بالتأكيد"

في المختبر الذي تعمل فيه في الجامعة المفتوحة في مدينة ميلتون كينز وسط إنجلترا، تجتهد طالبة الدكتوراه هانا سارجنت في سبيل التوصل إلى حلول لمعضلة الإقامة في القمر، وذلك باستخدام معدن يقال له "إيلمنايت" موجود بكثرة في التابع الأرضي.

يسخّن الإلمنايت في فرن لأجل استخراج الأوكسجين المخزون داخله، ومن ثم يدمج هذا الأوكسجين مع الهيدروجين لتكوين الماء.

تقول العالمة الشابة "هناك أكثر من 20 طريقة لاستخراج الماء من الصخور في القمر، ولكن اهتمامنا منصب على الإلمنايت بالتحديد لوفرته أولا ولأن التفاعل الضروري لتكوين الماء منه لا يحتاج إلا لكم قليل من الطاقة.

وتقول إنها تشعر بحماس كبير لإمكانية عودة البشر إلى القمر للمرة الأولى منذ عام 1972.

وتضيف "أشعر بأن جيلي سينفذ هذه المهمة بالتأكيد، وإني على ثقة بأن ذلك سيحصل في حياتي. سيكون لنا على أقل تقدير وجود دائم في مدار حول القمر يهبط منه الرواد إلى سطحه ويعودون بشكل عادي.

رحلة أبولو 17 كانت آخر رحلة مأهولة إلى القمر في عام 1972

رحلة أبولو 17 كانت آخر رحلة مأهولة إلى القمر في عام 1972

رحلة أبولو 17 كانت آخر رحلة مأهولة إلى القمر في عام 1972

وقّع دونالد ترامب في عام 2017 على أمر رئاسي يخص سياسة أمريكا الفضائية يقضي بارسال رواد فضاء أمريكيين إلى القمر و"مقاصد أخرى". وقالت وكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا" إنها ستعمل على تنفيذ ذلك قبل حلول عام 2028. ولكن في الآونة الأخيرة، أمرت ادارة ترامب الوكالة بتقديم الموعد إلى عام 2024، وذلك بحجة التفوق على الصين التي لها طموحات هي الأخرى لاستكشاف القمر وارسال بعثات مأهولة إليه. ولكن قليلين هم الذين لم يلحظوا أن التاريخ يتوافق مع السنة الأخيرة لولاية ترامب الثانية - اذا أعيد انتخابه في 2020 بطبيعة الحال.

تريد ناسا هذه المرة أن تكون مهمة التوجه إلى القمر مختلفة عن سابقاتها في القرن الماضي. فالذهاب إلى القمر هذه المرة سيكون جزءا من طموح أكبر وأوسع يشتمل على استكشاف الفضاء العميق بما في ذلك كوكب المرّيخ. ولذا سيكون موضوع تأسيس قاعدة متقدمة على سطح القمر جزءا من هذه الخطة الجديدة.

قال مدير ناسا، جيم برايدنستاين، في وقت سابق من العام الحالي "لسنا ذاهبين إلى القمر من أجل ترك بضعة أعلام وآثار أقدام على سطحه ثم لا نعود إليه لخمسين سنة أخرى. نحن ذاهبون لنبقى بشكل دائم ومستدام مع كل ما نحتاج إليه من مركبات هبوط وعربات وبشر".

ولكن هل لناسا القدرة على القيام برحلة جديدة آمنة إلى القمر قبل حلول الموعد النهائي المحدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الإعتبار أن المعدات الضرورية لانجازها لم تنتج أو تُختَبَر؟

بهذا الصدد، يقول كبير أساتذة العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأمريكية جون لوغسدون "ستكون مهمة محفوفة بالمخاطر، ولكن إذا لم نكن راغبين بالمخاطرة يجدر بنا البقاء هنا على الأرض. الموضوع يتعلق بإيجاد توازن بين المخاطرة والفعل".

العامل البشري

ألدرين

أدوين (باز) ألدرين

أدوين (باز) ألدرين

أطلق على رحلات ناسا السابقة إلى القمر اسم الإله الإغريقي أبولو. أما الرحلة القادمة فسيطلق عليها اسم أرتميس، شقيقة أبولو التوأم حسب الميثولوجيا الإغريقية. وثمة تكهنات حول هوية أول رائدة فضاء تطأ قدماها سطح القمر.

لناسا 38 رائد فضاء ناشط حاليا، منهم 12 إمرأة، ومن هؤلاءكايت روبينز وهي عالمة أحياء مجهرية سبق لها أن درست بعضا من أخطر الأمراض فتكا، وكذلك جانيت إيبس التي كانت تعمل فنية عند وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية، والطبيبة سيرينا أونون تشانسيلور، ومهندسة الكهرباء كريستينا كوخ.

وسبق لبريدنستاين أن قال لقناة سي أن أن الأخبارية الأمريكية "ستكون واحدة أثبتت جدارتها، واحدة سبق لها أن شاركت في رحلة مدارية وكانت من الذين عملوا في المحطة المدارية الدولية".

رائدات الفضاء الأمريكيات

رائدات الفضاء الأمريكيات

رائدات الفضاء الأمريكيات

تتمتع ستيفاني ويلسون بأطول خبرة بين الرائدات في مجال التحليق، إذ سبق لها أن شاركت في ثلاث مهمات في المكوك الفضائي. أما ترايسي كالدويل وسونيتا ويليامز فقد شاركتا في رحلتين لكل منهما.

وفيما يخص الخبرة التي يستحسن أن يتمتع بها رواد اليوم، يقول مايكل بارات، وهو رائد فضاء وبروفيسور شرف في كلية الطب التابعة لجامعة أكستر في بريطانيا "نطالب اليوم بكم أكبر من الأداء العملي من رواد الفضاء مما كنا نطالب به من قبل".

ويمضي للقول "فرائد فضاء اليوم يقود مركبة متعددة المناشئ لستة شهور، ويجب أن يكون مدربا تدريبا عاليا في مجالات شتى كالسباحة في الفضاء واستخدام الأذرع الآلية وشتى أنواع المعدات الأخرى، وأن يكون ملما باللغتين الإنجليزية والروسية، وعليه أيضا أن يتأقلم جيدا مع الوحدة والإقامة في حيّز ضيّق لفترات تناهز 6 شهور".

ولكن ما هي التحديات الأخرى التي سيواجهها الرواد عندما يخرجون عن مدار الأرض؟

لدينا فعلا فهم جيد للتغييرات التي تطرأ لجسم الإنسان في الفضاء. يقول بارات، الذي يعمل طبيبا أيضا، "أحب أن أقول إننا نستحيل إلى كائنات غير أرضية بكل ما لهذه العبارة من معنى. فتركيب الأعضاء يتغير كما تتغير فسلجة الجسم وتفاعلاته البيوكيمياوية. ولكننا نستمر في العيش والفعالية كأن شيئا لم يكن. إنه أمر عجيب فعلا".

ويقول "مما لاشك فيه أن رواد الفضاء سيواجهون مخاطر كثيرة وهم يعملون على سطح القمر. فبالرغم من أن قوة الجاذبية هناك تقل عن سدس قوتها على سطح الأرض، يتطلب من رائد الفضاء أن يرتدي بذلة ثقيلة الوزن جدا وأن يحمل معدات وعدد وأن يقوم بالحفر والتسلق والإستكشاف. وهذه كلها تضيف مخاطر أخرى. فقد يعاني الرواد من كسور في العظام إذا سقطوا أو أن يثقبوا بذلاتهم العازلة بالمعاول التي يستخدمونها في الحفر".

وهناك إضافة لكل ذلك مشكلة الغبار. فقد عانى رواد رحلات أبولو من نوبات من السعال، وفي بعض الحالات صعوبات في التنفس عندما كان الغبار يدخل إلى مركباتهم ملوثا هواءها. لذا يقتضي الأمر إيجاد حل لهذه المعضلة

وتمثل الإشعاعات مصدر خطر آخر لا يقل عن المخاطر الأخرى. فلدى خروجهم من الفقاعة المغناطيسية المحيطة بالأرض التي تحمي البشر من مخاطر الإشعاعات الكونية، يتعرّض الرواد لثلاثة أضعاف كميات الإشعاع في اليوم الواحد مما يتعرضون لها وهم يحلقون في مدار حول الأرض. وهذه الكميات تزيد مخاطر الإصابة بأمراض كالسرطانات وأمراض القلب والدورة الدموية.

مصادر هذه الإشعاعات متعددة، فالإشعاعات الكونية الآتية من المجرّة (GCRs) تتميز بكمية الطاقة الكبيرة التي تحتويها، ولكن هذه الإشعاعات قليلة نسبيا. أما أحزمة فان ألن المحيطة بالكرة الأرضية، فتحتوي على جزيئات دون الذرية محبوسة فيها، ولكن التعرض لهذه الأحزمة مؤقت في الرحلات الفضائية. ولكن ينبغي اكتشاف طرق للوقاية من تدفق الجزيئات الشمسية (الرياح الشمسية) وهي جزيئات ذات شحنات كهربائية تقذف بها الشمس بين الفينة والأخرى.

وتستخدم مركبة "أورايون" التي تنكب ناسا على انتاجها مواد خاصة في بدنها تقي ركابها مضار الإشعاع.

مركبة أورايون

تعد مركبة أورايون الجديدة حجر الزاوية في خطة الولايات المتحدة للعودة إلى القمر. ويحاكي شكلها المخروطي مركبات أبولو، وليس شكل سابقها المباشر مكوك الفضاء الذي يشبه في شكله الطائرات. ويعيد شكل المركبة الجديدة لأذهان العديد من الناس ذكريات العصر الذهبي لاستكشاف الفضاء عندما كان كل شيء يبدو ممكن التحقيق.

ولكن مركبة أورايون التي يبلغ وزنها 10 أطنان تحتوي على تقنيات كانت عصية حتى على الخيال في ستينيات القرن الماضي. وحتى أساليب انتاجها هي أساليب مبتكرة وإبداعية. ففي مصانع شركة لوكهيد مارتن التي تنتج مركبة أورايون لحساب ناسا، زوّد المهندسون الذين يعملون في المشروع بخوذات معزّزة للواقع (AR).

تقول شيلي بيترسون، مديرة قسم التقنيات المستجدة في لوكهيد مارتن، "تنظر من خلال عدسة هي في الواقع واقية عيون شفافة، لتشاهد أجساما رقمية تغلف البيئة التي حولك".

باستخدام تعليمات رقمية مركّبة على منظر للعالم الحقيقي، يسهل على الفنيين إيجاد الأماكن المناسبة لعمل ثقب على سبيل المثال، أو تعيين مكان رباط معين. يعني هذا أيضا أن الفنيين لا يحتاجون إلى استشارة كتب التعليمات التي قد يبلغ حجمها آلاف الصفحات، مما يمكنهم من إنجاز أعمالهم بطريقة أسرع وأكثر كفاءة.

تقول بيترسون "كان لدينا شخص يعمل في مشروع أورايون يقترب عمره من سن التقاعد، وكان يريد تأجيل موعد تقاعده فقط من أجل أن يجرب هذه التقنيات الجديدة في موقع العمل".

ويقول روب تشيمبرز، كبير مديري قسم هندسة النظم في لوكهيد مارتن، "كثافة قدرات أورايون لكل قدم مكعب من حجمها أكثر بكثير مقارنة بأبولو، وهذا كان أحد أسباب التعقيد المحيط بتصميمها وبنائها".

كانت مركبة أورايون أصلا جزءا من خطة الرئيس السابق جورج بوش الإبن للعودة إلى القمر، وهي الخطة التي أعلن عنها في عام 2004. ولكن عندما أُلغيت تلك الخطة في عام 2010 إبان حكم الرئيس باراك أوباما، كانت المركبة هي المفصل الوحيد المتبقي منها.

تتمكن الكمبيوترات الأربعة المزودة أورايون بها من أنجاز كل المهمات الضرورية في المركبة تقريبا دون أي تدخل بشري، مما يجعلها مكتفية ذاتيا إلى حد بعيد، حسبما يقول تشيمبرز الذي يضيف "أن أورايون تعتبر قفزة نوعية حقيقية إلى الأمام".

شيلي بيترسون

شيلي بيترسون

شيلي بيترسون

الكمبيوترات في أورايون مشابهة لتلك المثبتة في طائرات الركاب بوينغ 787، ولكنها حوّرت وعززت للتمكن من تحمّل قسوة ظروف التحليق في الفضاء حيث تتضافر الجاذبية والارتجاجات والإشعاعات على إتلاف المعدات الدقيقة. ويقول تشيمبرز "لذلك عندنا أربع مجموعات من الكمبيوترات في المركبة. السبب ليس توقعنا بأن تصاب بخلل كهربائي، بل لتتمكن من العمل في البيئة السائدة في الفضاء الخارجي".

ليست هذه الكمبيوترات أحدث ما توصل إليه علم الحواسيب، ففيما يتعلق بالرحلات الفضائية تفضل المعدات المجربة على المبتكرات الجديدة التي يصعب فهم طرق عملها.

وينبغي أن تكون المركبة متينة من الخارج أيضا. فأورايون مصممة لتحمل الأضرار التي قد يتسبب بها ارتطامها بالصخور الفضائية الصغيرة وجزيئات المخلفات البشرية (مثل بقايا الأقمار الإصطناعية) التي تدور حول الأرض.

وإذا تسبب ثقب ما في تسرب الهواء من أورايون، ستحتفظ المركبة بالقدرة على العودة إلى الأرض. فسوف يزود الرواد ببذلات خاصة معدّلة الضغط تحفظ حياتهم في الفراغ. كما صممت المعدات الإلكترونية المسؤولة عن تحليق المركبة بحيث تتمكن من التخلص من الحرارة دون الحاجة إلى مراوح تضخ الهواء لتبريدها.

وعندما يحين وقت العودة إلى الأرض، سيتكفل أكبر واق حراري في التاريخ بحماية طاقم المركبة من درجات حرارة قد تبلغ 2760 درجة مئوية لدى اختراقها الغلاف الجوي. ويستخدم الواقي الحراري هذا عناصر حماية حرارية سبق لها أن استخدمت في المكوك الفضائي والرحلات غير المأهولة إلى المريخ.

ولدى هبوطها إلى الأرض، ستنفتح 11 مظلة مختلفة معظمها مصنوع من مادتي الكيفلار والنايلون لإبطاء سرعتها إلى سرعة الـ 27 كم/ساعة الضرورية لارتطامها بأمان في مياه المحيط الهادئ.

وستكون سفينة نقل برمائية بانتظار المركبة لانتشال طاقمها. وستقوم السفينة بعد ذلك بسحب المركبة إلى سطح مستوي قريب من الأمواج قبل رفعها إلى سطح السفينة واعادتها إلى البر.

لا تشكّل أورايون إلا جزءا من خطة العودة إلى القمر، إذ يشكل الجزء الآخر الصاروخ الذي سيوصلها إلى الفضاء. يزيد طول هذا الصاروخ، والذي يطلق عليه "نظام الإطلاق الفضائي SLS" عن طول مبنى ذي 30 طابقا، وبإمكانه حمل أوزان تتجاوز الـ 130 طنا إلى الفضاء.

يصف جون شانون، نائب مدير شركة بوينغ ورئيس برنامج SLS فيها، الصاروخ الذي تنتجه الشركة لحساب ناسا بالقول "إنه صاروخ هائل الحجم فعلا، بل أن حجمه يسلب الألباب".

يستخدم صاروخ SLS بعضا من التقنيات التي سبق استخدامها في المكوك الفضائي. ولكن الصاروخ الجديد يختلف عن سابقه في عدة مجالات. فمرحلته الأساسية العملاقة مؤسسة على خزانات الوقود الخارجية التي كانت تزود محركات مكوك الفضاء بالوقود. ومحركاه الصاروخيان الإثنان اللذان يعملان بالوقود الصلب نموذجان محوّران من نماذج كانت تستخدم في المكوك.

لكن هذه التحويرات جلبت معها تحديات، لأن صاروخ SLS يعرّض مكوناته والأجزاء الداخلة في إنتاجه إلى مستويات مختلفة جدا من الإجهاد. ويقول شانون "أخذنا بعض المعدات من مكوك الفضاء وحاولنا تجربتها في هذه البيئة فلم تصمد، وكان علينا تعديل تصميم هذه المعدات بشكل جذري في الكثير من الحالات".

وكانت إحدى التحديات الكبرى التي واجهت المشروع تتلخص في التأكد من قدرة قسم المحركات في الصاروخ في تحمّل الإرتجاجات القوية المتأتية عن عمل محركات الوقود الصلب. وكان على المهندسين أن يفحصوا كل جزء من المحرك للتأكد من قدرته على تحمّل هذه الإرتجاجات.

ترتفع درجة الحرارة في قسم المحركات إلى حد كبير أثناء الإنطلاق والتحليق، ولذا لجأ المهندسون إلى استخدام الفلّين كمادة عازلة للحرارة. فالفلّين مليء بالفجوات الهوائية مما يجعله من أفضل المواد العازلة للحرارة على الإطلاق.

بلغت كلفة تطوير الصاروخ نحو 12,5 مليار دولار، ولكن تقريرا لهيئة رقابة حكومية نشر في حزيران / يونيو ذكر أن الكلفة تجاوزت الميزانية المرصودة بحوالي 1,8 مليار دولار.

ويرى شانون أن الأمور تجري الآن في الإتجاه الصحيح وأنها في طور التحسن، ويقول "لقد تجاوزنا الجزء الصعب الذي يتلخص في التأكد من صلاحية المعدات وإعادة تصميم بعضها. ولذا فنحن في موقف عظيم الآن، إذ يعمل المصنع بالشكل المطلوب وإنتهينا من انتاج أول صاروخ الذي سيخرج من بوابات المصنع قبل نهاية العام الحالي".

ومن المتوقع ألّا يحلّق الصاروخ للمرة الأولى قبل شهر حزيران / يونيو 2020.

ولكن لا يتفق الجميع على أن هذا هو السبيل الأمثل، فهناك من يرون أنه سيكون من الأفضل استخدام الصواريخ التجارية لإطلاق المركبة، كتلك التي يطورها المليارديران إيلون ماسك (مؤسس شركة تيسلا للسيارات الكهربائية) وجيف بيزوس (مؤسس شركة أمازون).

وكان روبرت زوبرين، الذي يعمل لدى شركة "Pioneer Astronautics" ومقرها في ولاية كولورادو، قد طرح خطة أطلق عليها اسم Moon Direct تقتضي استخدام صواريخ تجارية أقل طاقة وقوة لإطلاق مركبة فضائية متعددة الإستخدام إلى القمر.

ويرى زوبرين إن تكاليف تشغيل صواريخ SLS، والتي تبلغ مليار دولار لكل إطلاق من المقرر أن يطلق صاروخان في السنة)، مرتفعة، وأنه من الأفضل والأجدى استخدام هذه الصواريخ العملاقة لمهمات أصعب كالتوجه إلى المريخ.

لكن جون شانون يقول إن فريقه "يعرف ماذا يفعل، ومدى ندرة هذا العمل وصعوبته"، مضيفا "أعتقد بأنه عندما يدخل صاروخ SLS مجال الخدمة لن تكون هناك حاجة لصاروخ مماثل لعدة سنوات. لذا فإن هذه هي فرصة لا تسنح إلا مرة واحدة في كل جيل".

عبر بوابة القمر

لماذا قررت الولايات المتحدة إنشاء محطة فضائية تسبح في مدار حول القمر؟ يبدو هذا السؤال مشروعا، خصوصا إذا علمنا بأن رواد الفضاء تمكنوا من إنجاز مهماتهم قبل 50 سنة دون الحاجة إلى محطة كهذه.

يقول بيت مغراث، مدير المبيعات العالمية والتسويق في فرع إستكشاف الفضاء في شركة بوينغ "إن الغرض من إنشاء هذه المحطة - البوابة هو استخدامها كمحطة متوسطة للوصول إلى القمر ومن ثم إلى المريخ".

يمكن وصف جون شانون بأنه مهندس هذه البوّابة. فعندما كان يعمل في ناسا حوالي العام 2011، كُلّف بالتفكير في الهدف التالي للاستكشاف الفضائي البشري. يقول "جلستُ وراجعتُ كل المهمات التي خَططت ناسا لها في السنوات العشرين الماضية. بلغ ارتفاع كومة الوثائق التي راجعتها أربعة أقدام".

قد يدخل نموذج مبسط من البوابة القمرية حيّز الخدمة بحلول عام 2024

نموذج مبسط من البوابة القمرية قد يدخل حيّز الخدمة بحلول عام 2024

نموذج مبسط من البوابة القمرية قد يدخل حيّز الخدمة بحلول عام 2024

بدأ شانون تركيز نظره على الأفكار والمشاريع المجدية والقابلة للتطبيق. ويقول "الأمر الذي بدا معقولا جدا هو القدرة على إنشاء محطة فضائية صغيرة الحجم يشغلها روّاد تتخذ لها مدارا حول القمر. تتيح البوابة لأطقم الروّاد فرصة الاستعداد قبل الهبوط إلى سطح القمر، كما تسمح بتسيير العربات على سطح القمر عن بعد. ويمكنها أيضا أن تستخدم ملاذاً آمناً إذا وقع أي طارئ خلال إحدى المهمات".

كانت رحلات أبولو تأخذ كل المعدات الضرورية لتنفيذ مهماتها معها إلى القمر. وكانت ناسا تضع روّادها في مدارات حول القمر تسمى مسارات العودة الحرة يتمكن بواسطتها الروّاد من العودة إلى الأرض بأمان إذا وقع أي طارئ كأن تصاب محركات المركبة التي من المفروض أن تقلهم إلى مدار حول القمر بعطل ما. ولكن هذا النظام حدد مواقع هبوط الروّاد بحزام ضيق يقع قرب خط استواء القمر.

أما البوابة القمرية فسوف تحلق في مدار أعلى، وستتخذ لها مسارا بيضوي الشكل يقال له المدار القمري شبه المستقيم (NRHO)، مما يمكن ناسا من إنزال الروّاد في أي موقع ترتأيه على سطح القمر.

ويقول تشيمبرز "يعني هذا أنه عليك تجهيز مرحلة الهبوط على مسافة أبعد من القمر لكي تتمكن من أن تقرر ما إذا تريد التوجه إلى أحد القطبين أو إلى خط استواء القمر".

لن تكون المحطة-البوابة جاهزة للعمل بحلول موعد الرحلة المقرر في عام 2014، ولكن يمكن لمركبة أورايون أن تلتحم بنسخة مصغرة وأقل تجهيزا من النسخة النهائية من المحطة تتكون من وحدة دفع وقمرة صغيرة للطاقم.

ويقول جون شانون إنه "في نهاية المطاف، ستصبح المحطة-البوابة مكانا تجمع فيه كل الأمور اللوجستية التي تحتاجها مركبة متوجهة إلى المريخ".

ولكن موضوع إنشاء البوابة القمرية ما زال يثير الكثير من اللغط والجدل. فالدكتور روبرت زوبرين، وهو مؤلف كتاب عنوانه "الحجة لصالح استكشاف الفضاء"، يرى أن المشروع يشكّل توقفا غير ضروري في الطريق إلى القمر، ويصفه بأنه مثل "حاجز مداري لجباية الأجور".

أما جون لوغسدون من جامعة جورج واشنطن فيقول "إذا كان هدفك الوحيد هو الهبوط في قطب القمر الجنوبي، فلا أعتقد في هذه الحالة أن ثمة ضرورة لوجود البوابة. ولكن الخطة الموضوعة تنص على إجراء هبوط أولي على سطح القمر في عام 2014 على أن يتحول البرنامج إلى برنامج مستدام بحلول عام 2028 لاستكشاف القمر ومن ثم المريخ. إذا كانت هذه هي الخطة، سيصبح وجود البوابة أمرا حيويا".

آثار أقدام على سطح القمر

يزعم كثيرون أن الهبوط على القمر كان الحدث المميّز في القرن العشرين. ففي العشرين من تموز / يوليو 1969، كان الرائدان نيل آرمسترونغ وأدوين (باز) ألدرين يقتربان من سطح القمر بسرعة بمركبتهما. ولأسباب غير معروفة، كانت المركبة تحيد عن مسارها وتتوجه إلى موقع يبعد عن موقع الهبوط المخطط له بأربعة أميال.

وفي الأمتار الـ 610 الأخيرة من عملية الهبوط الآلية، ألقى آرمسترونغ نظرة من خلال شباك المركبة ورأى أنها تتوجه صوب حفرة قمرية كبيرة تحيطها صخور لا يقل حجم الواحدة منها عن حجم السيارة. خلاصة القول إن كارثة كانت ستحصل لو هبطت المركبة في ذلك الموقع.

ولذا، وعندما هبطت المركبة إلى ارتفاع 152 متراً فقط عن السطح، أمسك آرمسترونغ بزمام السيطرة عليها وقادها كما تقاد الطائرات المروحية. توجه آرمسترونغ بالمركبة إلى منطقة سهلية مستوية حيث هبط بها بأمان متجاوزا بذلك الحفرة القمرية وصخورها الكبيرة.

ولكن مما لاشك فيه أن عمليات الهبوط المستقبلية ينبغي أن تكون أكثر دقة وأمانا.

بهذا الصدد، يقول كين غابرييل، المدير التنفيذي لمختبر دريبر بمدينة بوسطن بولاية ماساشوسيتس "ستحتاج بلا شك إلى أنظمة هبوط آلية أكثر كفاءة ودقة، أنظمة تمكن المركبات من تتبع التضاريس وتمكن قائدها من مشاهدة ما تقوم به فوريا من خلال أجهزة تصوير".

لا ينبغي لك أن تعرف مكانك بالضبط فحسب، بل ينبغي أيضا أن تقدّر - بدقة تبلغ أجزاء المتر - المكان الذي تتوجه إليه وكيف يمكنك تجنب العقبات التي تعترض طريقك. بعبارة أخرى، علينا تمكين نظام السيطرة الآلية المركّب في مركبة الهبوط من تنفيذ الأعمال التي كان آرمسترونغ يقوم بها بعينيه وعقله ويديه عندما كان يهبط على سطح القمر.

ستكون عملية الهبوط عند قطب القمر الجنوبي مثيرة حقا. وعندما يخرج روّاد المركبة منها، قد يكونون يرتدون بذلات فضاء تشبه نموذج Z-2 التجريبي. هذه البذلة مصممة بحيث تمنح مرتديها قدرا أكبر من الحرية في الحركة من سابقاتها مما يتيح لهم التسلق والنزول والانحناء لجمع الصخور والأحجار.

وقد تكون عملية الإنطلاق من سطح القمر محفوفة بالمخاطر أيضا. إذ يقول الدكتور شيموس توهي الذي يعمل في مختبر دريبر "عندما تنطلق من الأرض، فإنك إنما تنطلق من قاعدة إطلاق ثابتة ومعروفة".

ويمضي للقول إنه "على القمر، يعتمد كل شيء على المكان الذي هبطت فيه والوضع الذي اتخذته المركبة عند هبوطها".

ربما تلخّص مركبة الهبوط التي ستستخدم في مهمة 2024، والتي لم يكتمل بناؤها بعد، بشكل أفضل من أي عنصر آخر من عناصر الرحلة مدى القلق الذي يساور العاملين في المشروع إزاء قرار تسريع العمل فيه. إذ لا توجد بعد أي من المعدات الضرورية، ولم يتضح كيف سيتم اختبارها قبل حلول عام 2024.

ولكن روبرت زوبرين واثق من أن فترة خمس سنوات ونصف السنة تكفي لإنجاز بناء مركبة الهبوط واختبارها.

إلا أنه يضيف أن "مشروع البوابة القمرية يحرم عملية تطوير مركبة الهبوط من الأموال التي تحتاجها، والمركبة هي العنصر الحاسم إذا أردنا الهبوط على سطح القمر".

اقتصاد

روبوتات للطباعة ثلاثية الأبعاد على القمر

روبوتات للطباعة ثلاثية الأبعاد على القمر

روبوتات للطباعة ثلاثية الأبعاد على القمر

لا ينحصر الأمر بالهبوط على القمر فقط، بل أن بعضهم يستعد من الآن لانطلاق ما يسمى بـ "الاقتصاد القمري".

فشركة "أستروبوتيك" تقول إنها بصدد تشييد "خط للسكة الحديد" إلى القمر. هذه الشركة واحدة من عدد من الشركات التي تطمح إلى نقل المواد والبضائع إلى القمر.

تشبيه المشروع "بالسكة الحديد" يبدو مناسبا لشركة مقرها في مدينة بيتسبرغ، المركز السابق لصناعة الحديد والصلب في الولايات المتحدة.

فلقاء أجر معين، يبدأ من 450 دولاراً لنقل مواد صغيرة الحجم وخفيفة الوزن كالمواد التذكارية، ويرتفع ليبلغ 1,2 مليون دولار للكيلوغرام الواحد للمواد الأثقل وزنا كالعربات الروبوتية، تعد أستروبوتيك بإيصال الحمولة التي تريد إلى القمر باستخدام مركبتها الخاصة ذات القوائم الأربع والمسماة "بيريغرين (أي الشاهين)". وتشمل قائمة المواد والبضائع التي سجّل زبائن أستروبوتيك رغبتهم في نقلها إلى القمر حاويات ذكريات ومعدات علمية وحجر من جبل أفرست وبطاقة من مدينة ألعاب كينيوود المعروفة في بيتسبرغ بولاية أوهايو.

مركبة بيريغرين القمرية العائدة لشركة أستروبوتيك

مركبة بيريغرين القمرية العائدة لشركة أستروبوتيك

قد تنجح شركات مثل أستروبوتيك في أن تخطو الخطوات الأولى نحو بناء اقتصاد قمري قابل للديمومة، وذلك عن طريق توفير خدمات نقل للزبائن الأفراد ولمؤسسات مثل ناسا.

يقول الدكتور فيليب ميتزغر، عالم الكواكب في جامعة وسط فلوريدا في أورلاندو، "قد تكون لدينا في المستقبل جهات في الفضاء تنتج وقود الصواريخ وغيره من المواد وتوفر الخدمات. آنئذ لن يكون من الضروري أن تتحمل استثمارات ناسا وغيرها كل نفقات بناء تلك البنية التحتية الفضائية".

ومن المرجح أن تصبح السياحة الفضائية قريبا مصدر دخل آخر للاقتصاد القمري. ففي عام 2018، كشفت شركة SpaceX التي يملكها الملياردير إيلون ماسك عن هوية أول راكب ستنقله في رحلة حول القمر في عام 2023. قد تتأخر الرحلة عن ذلك الموعد، ولكن المسافر، وهو ملياردير ياباني دفع مبلغا لم يعلن عن حجمه للسفر بواسطة مركبة ماسك "الصقر الكبير (BFR)".

وإذا نظرنا إلى المستقبل البعيد، قد نرى أنه سيكون بإمكان السائحين الهبوط إلى سطح القمر والإقامة هناك في مبان تشيّد خصيصا لهذا الغرض. ويقدر بنك UBS بأن قطاع السياحة الفضائية قد يدر دخلا يبلغ نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2030.

ولكن أساس الاقتصاد القمري لا بد أن يكون التنقيب عن جليد الماء لاستخدامه في انتاج وقود الصواريخ. تتركز مخزونات هذا الجليد في قطبي القمر الشمالي والجنوبي، وهما منطقتان لا تصلهما أشعة الشمس. وقد تبلغ كميات هذه المخزونات مليارات الأطنان.

قد تؤدي فكرة تزويد المركبات بالوقود في القمر إلى خفض كلفة السفر في الفضاء، علاوة على خفض الكلفة الخاصة بفتح قاعدة دائمة على سطح القمر. وجاء في تقرير صدر عام 2018 أنه يمكن انتاج وقود الصواريخ في القمر بكلفة لا تتجاوز 500 دولار للكيلوغرام - وهو سعر يقل بعشرين ضعفا عن تكاليف نقل الوقود من الأرض إلى مدار حول القمر والتي تبلغ 10 آلاف دولار للكيلوغرام الواحد

ومن الممكن في المستقبل استخدام الوقود المنتج في القمر لزيادة ارتفاع الأقمار الاصطناعية التي تحلق في مدارات أرضية منخفضة إلى مدارات ثابتة أكثر ارتفاعا. فقد يكون من الممكن أن تلتحم مركبة قادمة من القمر وتحمل الوقود مع قمر اصطناعي يحلق في مدار أرضي منخفض مما سيمكن هذا القمر الاصطناعي من استخدام الوقود للارتفاع إلى مدار أعلى. وقد توّفر هذه العملية مبلغ 100 مليون دولار كل مرة.

ولكن الدكتور بول بيرن من جامعة نورث كارولاينا في مدينة رالي يقول إن تطوير اقتصاد قمري حقيقي سيستغرق وقتا طويلا، ويضيف "نعرف إلى أين نريد أن نتوجه، ولكن قد تمضي عدة عقود قبل أن يصبح ذلك مجديا بالكاد من الناحية التجارية، وحتى ذلك الحين يتوجب على الحكومات تحمل كل المصاريف".

العيش على القمر

 نموذج لمنزل قمري أواسط القرن الحادي والعشرين صممه مكتب فوستر وشركاؤه للعمارة

نموذج لمنزل قمري أواسط القرن الحادي والعشرين صممه مكتب فوستر وشركاؤه للعمارة

نموذج لمنزل قمري أواسط القرن الحادي والعشرين صممه مكتب فوستر وشركاؤه للعمارة

تتكلّل خطة أرتميس في نهاية المطاف بإكمال العمل في عام 2028 في تشييد منشأة على سطح القمر، أي قاعدة للعمليات. ففي المراحل الأولى لاستيطان القمر، قد يكون الخيار الأفضل استخدام وحدات مصنوعة من عدة طبقات من القماش يمكن نفخها لإيواء القادمين.

فهذه الوحدات قابلة للطي، ولذا لن تأخذ مكانا كبيرا في الصواريخ الناقلة مقارنة بالوحدات الثابتة. وبمقدورها أيضا توفير مساحات أكبر عندما يتم نصبها. وتوّصلت وكالة الفضاء الأوروبية بالتعاون مع مكتب فوستر وشركاؤه المعماري إلى وضع تصميم هجين للوحدات السكنية هذه. ويشتمل التصميم على مكان إقامة ذي طابقين قابل للنفخ إضافة إلى وحدة صلبة تقوم مقام غرفة ضغط للدخول والخروج.

بول بيرن

بول بيرن

بول بيرن

ولأجل حماية وحدات الإقامة هذه من المخاطر التي تسببها النيازك الصغيرة والإشعاعات، من الممكن استخدام روبوتات لإنتاج أغلفة صلبة بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد تغلف بها وحدات الإقامة. وقد يكون من الممكن أيضا حتى استخدام "التراب" القمري كمادة للبناء. يقول فيليب ميتزغر "إنها طريقة سهلة للبناء لن تستغرق وقتا طويلا".

أما على المدى الأبعد، قد يتحول مستوطنو القمر للإقامة في أنفاق طبيعية تقع تحت السطح يقال لها "أنابيب الحمم". وتوفر هذه حماية طبيعية من مخاطر الإشعاعات.

طوّرت جامعة أريزونا نموذجا أوليا لبيت زجاجي تتم فيه زراعة محاصيل كالخس والطماطم والبطاطا باستخدام صمامات ثنائية باعثة للضوء (LEDs). وتمثل عملية انتاج المحاصيل في هذه البيوت دائرة مغلقة، حيث تتم فيها مداورة المياه المستخدمة لسقي المزروعات. وتسهم النباتات في عمل أنظمة إدامة الحياة عن طريق امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء وانتاج غاز الأوكسجين.

كما صممت ناسا "شاحنة" نموذجية ذات 12 دولابا - ويطلق عليها اسم عربة استكشاف فضائية SEV - ليستخدمها الروّاد في تنقلاتهم واستكشافاتهم على سطح القمر.

ولكن قبل التمكن من استخراج الماء، ينبغي القيام بالكثير من أعمال التنقيب. وعندما يتم التعرف على وجود مخزونات واعدة، يمكن استخدام روبوتات لحفرها واستخراجها.

ويرى فيليب ميتزغر أنه يمكن تسخين الأتربة القمرية لاستخراج الماء منها على شكل بخار يجمع في ما بعد.

فيليب ميتزغر

فيليب ميتزغر

فيليب ميتزغر

وسيشكل موضوع إيصال الطاقة الكهربائية إلى الحفر القمرية دائمة الظلمة معضلة أخرى. ولكن إحدى الطرق التي يمكن اتباعها لإيصالها إلى هناك تتلخص في توجيه أشعة الشمس إليها باستخدام مرايا تنصب على حواف هذه الحفر. يقول جون ثورنتون، المدير التنفيذي لشركة أستروبوتيك، "يمكن إيصال الطاقة الكهربائية إلى العربات بتوجيه هذه المرايا إليها".

يمكن تحويل الماء المستخرج عن طريق الحفر إلى وقود للصواريخ باستخدام الطاقة الكهربائية لفلق جزئيات الماء إلى مكونيها، الهيدروجين والأوكسجين.

تستخدم هانا سارجنت من الجامعة المفتوحة حاليا جهازا يدعى ProSPA يتمكن من استخراج الماء من الصخور الموجودة على سطح القمر. وسيستخدم هذا الجهاز عمليا للمرة الأولى في عام 2024 إذ سيركّب في المسبار الروبوتي القمري الروسي لونا-27. وتعد التجارب التي تجريها سارجنت نموذجا يمهد الطريق لتجارب أخرى تهدف لاستخراج الماء على سطح القمر باستخدام الجهاز المذكور.

تعد هذه التجارب حيوية جدا. ويفسر بول بيرن ذلك بقوله "إن إنتاج وتطوير هذه الأجهزة أمر مهم، ولكن استخدامها واختبارها يمثلان برأيي الخطوة الحاسمة المقبلة".


بعد مرور 50 عاما، ما زالت الرحلات إلى القمر تمثل رمزا مؤثرا لما يمكننا إنجازه عندما نجند ما لدينا من مواهب وموارد من أجل إلهام البشرية. كانت المنافسة المحتدمة في أواسط القرن الماضي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة قد دفعت الأخيرة إلى التوجه إلى القمر، ولكن هذا الدافع كان مؤقتا وعابرا. فبمجرد تحقيقها لهذا النصر في سباق الفضاء، لم يتواصل مشروع أبولو إلا لست رحلات آخرى قبل أن يلغى كليا.

التاريخ سيخبرنا ما إذا كانت المبررات التي تساق في القرن الحادي والعشرين لاستكشاف القمر أكثر رسوخا من سابقاتها. يقول بول بيرن "أفضل أسباب العودة إلى القمر هو لاستخدامه كمحطة وسطى للتوجه إلى ما هو أبعد منه، ككوكب المريخ وعدد من الكويكبات الجديرة بالاستكشاف".

وفي السنوات الـ 15 الماضية، تغيرت وجهة ناسا من القمر إلى المريخ، ثم عادت ثانية إلى القمر. يقول جون لوغسدون في هذا الصدد "كان الطريق ملتويا، ولكن وجهته كانت إلى الخارج. أعتقد أن التوجه الحالي لاستئناف الرحلات المأهولة إلى وجهات تقع خارج المدارات الأرضية بدأ في كانون الثاني / يناير 2004 عندما أعلن الرئيس بوش الإبن عن مشروع أصبح يعرف لاحقا بـ"الكوكبة Constellation".

إذا خسر دونالد ترامب انتخابات 2020 الرئاسية، قد تلغي الإدارة الديمقراطية الجديدة مشروع القمر برمته. ولكن لوغسدون يستبعد حصول ذلك، ويقول "أعتقد أنه من العسير التفكير بأن حكومة جديدة ستلغي برنامج العودة إلى القمر، إذا أخذنا بالاعتبار قوة الإندفاع الذي تكتسبه".

لكن البرنامج سيتطلب المزيد من الأموال. ولأجل تمويله في عام 2020، طلبت إدارة ترامب من الكونغرس تخصيص مبلغ اضافي يتجاوز 1,6 مليار دولار. ولكن ناسا تحتاج إلى مبلغ يتراوح بين 6 و8 مليارات سنويا أضافة إلى ميزانيتها الحالية لتنفيذ برنامج أرتميس. وعلى الكونغرس المصادقة على هذا الإنفاق الإضافي. وبينما يحظى مشروع العودة إلى القمر بتأييد جانبي الكونغرس الجمهوري والديمقراطي، يشكك العديد من النواب في إمكانية تحقيق ذلك بحلول عام 2024.

تعللت إدارة ترامب بطموحات الصين لتبرير مشروعها للعودة إلى القمر بحلول عام 2024. ولكن بعض المراقبين يرون أن على الدول ذات البرامج الفضائية كالولايات المتحدة والصين وروسيا أن تتعاون في ما بينها وتنسق عمليات استكشاف القمر وذلك من أجل تجاوز التعقيدات القانونية حول ملكية الموارد الموجودة هناك.

يقول فيليب ميتزغر "أعتقد أن هناك خطراً كبيراً لاندلاع مواجهات جيوسياسية، فإذا قررت إحدى الدول المضي قدما بمفردها في إنشاء مرافق صناعية في الفضاء، فستحصل تلك الدولة على منافع ومكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة في نهاية المطاف".

ويمضي للقول إن تجاهل إمكانية وجود كميات هائلة من الموارد في القمر وغيره يخلق فراغا، "والطريقة الأخلاقية المثلى لملء هذا الفراغ تتمثل في التعاون على نطاق دولي بحيث تستفيد البشرية جمعاء من هذه الموارد".

شكر وتقدير

المؤلف: بول رينكون

الغرافيك: جيري فليتشر وليلي هوين وسالم قريشي

الصور: ناسا ولوكهيد مارتن وفيل كومز وفوستر وشركاؤه

الإنتاج: توم هاوسدن وجيمس بيرسي

التحرير: كاثرين ويستكوت