الكلام غير المباح: ماذا تخبرنا الجنسانية عن
الشرق الأوسط؟

شخصيات الفيلم

تحرير وإعداد: سهى إبراهيم و شيرين الفقي


شيرين الفقي أكاديمية ومؤلفة كندية من أصل مصري اشتهرت بكتابها "الجنس والقلعة: حياة حميمة في عالم عربي متغير".تركز الفقي في عملها على الجنس كعدسة لاكتشاف الروابط بين الحياة العامة والخاصة في الشرق الأوسط. 

تروي شيرين هنا حكايات بعض الرجال والنساء الذين قابلتهم خلال عملها والذين رأت أنهم يعيدون كتابة القواعد داخل غرفة النوم وخارجها.

"الجنس مثل الخيارة"، بهذه المقولة غير المتوقعة فاجأتني المعلمة الفلسطينية صفاء طميش عندما كنا في الطريق إلى نابلس. لدينا مثل شعبي مشابه في مصر حول الخيار كإشارة مجازية للحياة: يوم في يدك، واليوم التالي في (مؤخرتك)،  ولكن كان من الصعب بالنسبة لي أن أتخيل أن صفاء مع كل دماثة أخلاقها تعني ذلك.

لكن في الواقع كانت تدور في رأسها أفكار أكثر عمقا إذ قالت:  "لما باقشر الخيارة. أنا مابقشرش كل القشرة. باعملها هيك زي الأقلام. اكتشفت أن أمي كانت هيك تعمل وأنا باللاوعي باعمل اللي أمي عملته".، وتابعت قائلة "كتير أشياء في الجنسانية هيك. بنعملها دون ما نفكر فيها. نحمل الكثير من الرواسب وبيكون من الصعب أن نغير إلا لما نلاقي فرصة نناقش ليش أنا هيك بعمل".

من السهل الآن أن ننظر إلى المشهد الجنسي في المنطقة العربيةولانرى سوى الجانب البائس منه  فقط، بدءا مما يعرف بجرائم الشرف مرورا بالقمع  وطريقة التعامل مع مجتمع الميم، وفرض الرقابة على المحتوى الإباحي، واستغلال تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية  الجنسي للنساء، حتى اضطهاد ناشطي المجتمعات المدنية.

لكن في لب هذه المشكلة عالم مختلف تماما وفجوة كبيرة بين المظهر والواقع.

ولايعني ذلك أن الناس في المنطقة لا يمارسون الجنس خارج إطار الزواج أو أنهم لا يمارسون العادة السرية وهم يشاهدون أفلاما إباحية، أو أن الرجال والنساء لا يقعون في الحب أو أن العمل الجنسي ليس جزءا من الحياة في تلك المجتمعات - بالطبع يحدث ذلك مثل أي مكان آخر في العالم. 

لكن المختلف هو أن هناك إحجاما في جميع الأوساط، ما عدا الأكثر تحررا منها، عن الاعتراف أو القبول العلني لأي نشاط جنسي خارج نطاق الزواج – ويتم ذلك من خلال قوانين تقييدية وممارسات قمعية في تلك المجتمعات بدعم من تفسيرات انتقائية للدين.

لكن تحت هذه القشرة من الامتثال، هناك أشياء تعتمل تحت السطح،  فقد شهد العقد الماضي ارتفاعا طفيفا ولكنه ثابت في محاولات تحدي الوضع الجنسي الراهن: باحثون يتجرأون على دراسة الحياة الجنسية؛ ومحامون يكافحون من أجل تشريعات أكثر عدالة؛ وأطباء يحاولون تخفيف الآثار الجسدية والنفسية للعنف؛ ونشطاء في الشارع يحاولون جعل الجنس آمنًا؛ ورجال دين يتمتعون بالشجاعة الكافية  ليعظوا بالتسامح؛ بالإضافة إلى كتاب ومخرجين يختبرون حدود التعبير الجنسي.

المعلمة


لا تتردد صفاء طميش في أن تتكلم عن الجنس بصراحة، وهو الأمر الذي يضفي أجواء من المرح على جلستها مع زملائها المجتمعين في مطبخ في رام الله.

الأريحية التي تتحدث بها هؤلاء النسوة عن الحياة  الحميمة هي بالضبط ما كانت صفاء تسعى إليه عندما أنشأت منتدى عام 2006 بهدف التثقيف الجنسي للفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل بمعناه العلمي والمباشر المتعلق بالجنس والإنجاب كما يتناول أيضا معاني أخرى مثل الحب والألفة والإشباع والحماية والتنوع الجنسي والتنمية.

وتوسع المنتدى منذ 2015 ليفتح فرعا له في الضفة الغربية، مطورا نهجا مبتكرا لنشر الثقافة الجنسية في بيئات محافظة للغاية وفي المدارس، وتمكن المنتدى من جمع طلاب وأولياء أمور ومعلمين في حلقات نقاش تتناول موضوعات كانوا غالباً  يشعرون بالحرج من التحدث عنها معا.

أقل من نصف الفلسطينيين يعتبرون حرية التعبير أو حقهم في الانضمام إلى منظمة غير حكومية مضمونة في بلدهم - استبيان بي بي سي عربي مع البارومتر العربي2018/2019

ولد شغف صفاء بالتحدث عن الجنس من رحم الصمت إذ تدربت كممرضة وكانت وظيفتها الأولى في مدرسة صغيرة في الجليل.

سياسة الجنس

تقول صفاء "كانت هناك فتاة في الثانية عشرة من عمرها، اكتشفت أنها حامل في شهرها الثامن، وبعد التحقيق عُرف أن ستة أطفال من نفس المدرسة اغتصبوها وأقنعوها أنهم كانوا يلعبون ويجب عليها ألا تقول أي شيء عن ذلك لأي شخص". لم يسمح مدير المدرسة لأي من المعلمين بالتحدث عن الموضوع، مبررا ذلك بالقول "نحن مجتمع محافظ"، وهو ما اعترضت عليه صفاء مستنكرة أن يفرز ما يسميه مجتمعا محافظا "فتيات حوامل وفتيان مغتصبين". 

أقنعت صفاء مسؤولي المدرسة بالاجتماع مع أولياء الأمور لمناقشة الأمر، وكانت هذه الحادثة الصادمة سببا لتطور أسلوبها في الحديث عن القضايا الشائكة.

ويعتبر المنتدى تمكين الفلسطينيين من الشعور بالراحة عند الحديث عن أجسادهم باللغة العربية أمرا أساسيا، فبسبب عدم وجود الجنس ضمن المواد الدراسية أصبح استخدام الكلمات السوقية في اللغة العامية هو الوسيلة الوحيدة للتحدث عنه. وهو الأمر الذي يزيد الحرج والخجل من الموضوع خاصة بالنسبة للنساء. 

كما يضيف استخدام العبرية أو الفرنسية أو الإنجليزية في التحدث عن الجنسانية المزيد من الوقود على النار ويزيد من غضب المحافظين الذين يعتبرون أن مثل هذه المحادثات هي استيراد غربي خطير يقوض العادات والتقاليد لذلك تسعى صفاء وزملاؤها إلى التشجيع على استخدام اللغة العربية للحديث عن الجنس في جلسات المنتدى كوسيلة لتأكيد هويتهم كفلسطينيين تحت الاحتلال.

بالنسبة لصفاء الأمور الشخصية هي أيضا سياسية وتؤكد ذلك قائلة: "عشان هيك مرات السلطات ما بتحبش ايش احنا بنعمل. مرات بيحسوا أننا عم نفتح العينين احنا فخورين. احنا بنحس أن البداية اني افتح عينيا على جسمي. أطلع على حالي بالمراية. وانتقد الظلم اللي عم يمارس علي واللي بخاف أحكي عنه زي ما بخاف أحكي عن الجنس. لما أبدأ  أحكي عن الظلم من أبوي وأمي. هأحكي عن الظلم من مجتمعي وهأحكي عن الظلم في وطني."

"لا يوجد شيء اسمه أم عزباء"


في المغرب، قابلت هادية وهي امرأة لطيفة في أوائل العشرينيات تعرضت لكثير من الظلم حيث نشأت في أسرة صارمة في منطقة ريفية في شرق البلاد.

"كانت الحياة ديالي شوية صعيبة. كانوا أول حاجة قازحين، كان عندي مشاكل مع أخوتي. مخصكش تخرجي، مخصكش تلبسي، مخصكش تديري ماكياج،....كانوا السبب اني غلطت هذي الغلطة واضطر ليا المشكل."

قالت لي هادية إنها "ارتكبت خطأ كبيرا" في حياتها عندما حملت دون زواج وكان دليل تلك المشكلة طفلة، مفعمة بالحياة، في الثانية من عمرها تلهو تحت أقدامنا.

لكن في بلد ينعدم فيه التثقيف الجنسي في المدارس وتجرم فيه ممارسة الجنس قبل الزواج ويقيد فيه الإجهاض، توصم النساء اللواتي ينجبن أطفالًا خارج نطاق الزواج بجلب العار لأسرهن.

عائشة الشنا جدة قوية الشخصية من الدار البيضاء أمضت العقود الأربعة الماضية وهي تكافح من أجل حقوق الأمهات العازبات في جميع أنحاء المغرب.

ينبع شغف عائشة بمساعدة الأمهات العازبات من محنة والدتها التي ترملت وهي في العشرينيات وربت ابنتها وحدها. تدربت عائشة على التمريض ثم أصبحت أخصائية اجتماعية وتعاملت خلال تلك الفترة مع نساء في ظروف صعبة اضطرتهن لإيداع أطفالهن في دور لرعاية الأيتام.

في عام 1985، أسست عائشة جمعية التضامن النسوي أو Solidarité Féminineوهي منظمة غير حكومية مقرها الدار البيضاء تتبع نهجا مختلفا، حيث تستضيف الأمهات العازبات وأطفالهن وتعمل على إعادة دمجهم في نسيج المجتمع. 

يعيش الوافدون الجدد في مجمع ملحقة به حديقة في ضواحي الدار البيضاء حيث تتعلم الأمهات مهارات مهنية، أما الأمهات المتعلمات - ومن بينهن هادية - فيتخرجن للعمل في الحمام التابع للجمعية في المدينة حيث يصبح بمقدورهن إضافة مهارات الإدارة والتجميل إلى سيرهن الذاتية، وأثناء كل ذلك يقمن ببناء علاقات أقوى مع أطفالهن.

وفي الجمعية، أخصائيون اجتماعيون ونفسيون ومحامون لمساعدة الأمهات في التعامل مع الواقع القاسي الذي يفرضه عليهن المجتمع بدءا من كيفية التعامل مع الروتين لاستخراج أوراق رسمية لأطفالهن والتوسط للمصالحة مع عائلاتهن حتى المهمة الأكثر صعوبة في إعادة الاتصال بآباء أطفالهن.

إعادة بناء احترام هؤلاء الأمهات لذواتهن مهمة أساسية في برنامج المنظمة، إذ تصل العديد من النساء مثل هادية إلى Solidarité Féminineبمفردهن خائفات ومصدومات بسبب حملهن غير المتوقع والرفض من قبل عائلاتهن والصدمة الناجمة عن الولادة بمفردهن.

 تقول عائشة إن العمل على اعادة ثقة هؤلاء النساء بأنفسهن من أهم ما تقوم به المنظمة "ماتبقاش حانية رأسها وخاشية كتافها. لا تقول أنا أم عازبة لكن أنا امرأة وأم ما نمدش أيديا ولا احتاج لأحد وبعيش بكرامتي."

يعتقد 11 بالمئة من النساء في المغرب يعتقدن أنهن يتمتعن بقدر أقل من الحرية في حياتهن مقارنة بالرجال-الباروميتر العربي بالتعاون مع بي بي سي.

كانت عائشة مستهدفة لسنوات من متشددين يتهمونها بنشر الفجور. لكنها تبلغ من العمر ما يكفي لتتذكر وقتًا كان المجتمع فيه أكثر تسامحا، وكان يتعامل مع حقائق الحياة ببساطة "أنا حفيدة رجل دين. اعتاد أن يقول: "لا يجب أن نقول أبداً عبارة "طفل الخطيئة".

حتى الآن ما زالت أوضاع هادية صعبة ورفضت الكشف عن هويتها على الشاشة "الوالد أول حاجة يشوف وجهي يزيد يكرهني أكثر ومايخليش أمي تهدر معايا. أنا فقدت العائلة ديالي. وفقدت الاتصال بيهم بالكامل. بحكي مع أمي وعمتي أما الباقي بيعتبرني ميتة. يعني ما كيناش. بس أنا كاينة (موجودة) أنا وبنتي. ولت (أصبحت) العائلة ديالي وولت كل شيء."

خبيرة العلاقات الجنسية


"ما رأيك بهذا؟" كنت في متجر للملابس الداخلية مع ساندرين عطا الله أحد أشهر اخصائيات العلاقات الجنسية في لبنان وهي تتفقد البضائع.

تقول ساندرين إن تلك الملابس هي أحدى الوسائل التي تعبر بها المرأة عن "رغباتها وحاجاتها الجنسية... عادة تشعر المرأة وهي ترتديها بأنها مغرية وجميلة". وتضيف أن البعض قد يظن أن النساء اللواتي يترددن على أخصائية في العلاقات الجنسية يأتين إلى العيادة للشكوى من نقص الرغبة الجنسية، لكن ذلك غير صحيح فبعضهن يأتين "لأن لديهن رغبة أكثر من أزواجهن أو لأنهن يشعرن بالخجل من أخذ زمام المبادرة."

بعد ساعات قليلة، شاهدت ساندرين وهي تعرض ما اشتريناه معا وتعطي أفكارا إبداعية لاستخدامها خلال بث حي على فيسبوك. "يمكننا استخدام الألعاب الجنسية لمساعدة المرأة على الوصول إلى الذروة" قالت ذلك وهي تقدم لمشاهديها على الإنترنت نصائح حول استخدام (الهزاز وكرات المهبل للإثارة) ثم انتقلت إلى منتج آخر. وقالت وهي ترتدي حمالة صدر سوداء مثل عصابة العينين "حتى الملابس الداخلية يمكن أن تتحول إلى لعبة".

ساندرين هي واحدة من نجوم "الحب ثقافة" وهو موقع على الإنترنت مقره القاهرة يقدم مضمونا مباشرا عن الجنس والحب والعلاقات. 

حاليا لا يوجد نقص في المحتوى الجنسي على الإنترنت باللغة العربية لكن الكثير منه يتجه نحو الإباحية أو التزمت.

مبدأ المتعة

ولم يقدم الموقع منصة جديدة توفر المعلومات والمشورة المستندة إلى حقائق علمية فحسب بل أيضًا قدم فرصة للرجال والنساء لطرح الأسئلة، والتعبير عن الآراء، ومناقشة بعضهم البعض بشأن المسائل الجنسية - وهي فرصة نادرة جدا في العالم غير المتصل بالإنترنت في تلك المنطقة.

معظمهم من مصر والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى أكثر من مليون متابع لحسابات الموقع على وسائل التواصل الاجتماعي.

**يستخدم 50 بالمئة من المصريين و82 بالمئة من اللبنانيين الإنترنت مرة واحدة على الأقل يوميًا. ويثق حوالي نصف المشاركين في البلدين في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الصحف و التلفزيون.

استبيان بي سي عربي مع البارومتر العربي 2018/2019

 لكن في الوقت الذي يستخدم فيه "موقع الحب ثقافة" تقنيات متقدمة فإنه يتبع أيضا في الواقع تقليدًا قديمًا. تاريخيا لم تشتهر الثقافة العربية بالتكتم الجنسي والتعصب كما هي الحال اليوم ، بل على العكس تماماً

الفيديو: إهداء من موقع الحب ثقافة لبي بي سي عربي

فعلى سبيل المثال، ضمت فصول موسوعة "جوامع اللذة"، البالغ عددها 43 فصلاً وكتبت في بغداد في القرن العاشر، موضوعات مثل المثلية والجنس الشرجي وتقريبا كل شيء بينهما، وكانت رسالة الموسوعة واضحة: الجنس هو هبة الله للبشرية ومن المفترض أن نستمتع بها.

لكن هذه الأعمال الإيروتيكية العربية تلاشت الآن عن الأنظار في معظم أنحاء المنطقة، ومعها تلاشت المباشرة والحرية في الحديث عن الجنس ولا يتعلق الأمر فقط بمشاكلها ولكن أيضًا بمتعها للرجال وللنساء. 

وليس من قبيل الصدفة أن العصر الذهبي لتلك الأعمال في العصر العباسي كان أيضًا ذروة القوة السياسية والاقتصادية والثقافية لتلك المنطقة إذ يبدو أن ثقة المجتمعات العربية وإبداعها في ذلك الوقت انعكست على تعاطيها السلس نسبيا مع الحياة الجنسية.

أما اليوم فتحتم الرقابة الإعلامية واسعة النطاق، على موقع الحب ثقافة توخي الحذر والالتزام بقواعد محددة. فبينما تتحدث المنصة علنًا عن الجنس فإنها تختار صورها بعناية لتجنب اتهامها بنشر الرذيلة.

وفي الواقع تسبب اقتراحي بأن تقدم ساندرين نصائحها وهي جالسة القرفصاء على سريرغرفتي في الفندق، الذي كنا نستعد لتصوير البث المباشر عبر فيسبوك به، في أزمة بسيطة وسرعان ما ألغيت هذه الفكرة بسلسلة من المكالمات من إدارة الموقع، لتجلس ساندرين في وضع مستقيم على كرسي خشبي مراعاة لمعايير "اللياقة". 

المُجدد


على الرغم من أنني تحدثت على مدار سنوات مع مئات الأشخاص في جميع أنحاء المنطقة حول الجنس، إلا أن الأصوات النسائية هي التي كانت تبرز بشكل رئيسي في عملي والسبب ليس هو أنني لم أستمع إلى الرجال، لكن بالنسبة لي كان لدى النساء دوما ما هو أكثر إثارة للاهتمام.

كما كان جعل الرجال يتحدثون عن حياتهم الحميمة بعيدا عن تفاصيل الجماع ليس بالمهمة السهلة، خاصة إذا كان من يطرح الأسئلة عليهم امرأة.

وفي محاولة للوصول إلى فهم جيد لكيفية رؤية بعض الرجال لأنفسهم، وجدت نفسي في قبو نادٍ ليلي في وسط مدينة الدار البيضاء، كان مليئا بأجساد تهتز على وقع الموسيقى. 

وعلى خشبة المسرح كان هناك أكثر من عشرة أشخاص في جلابيب مغربية فضفاضة يؤدون أغاني بينما تتطاير شعورهم الطويل وتزين عيونهم مساحيق تجميل وتلطخ الحمرة شفافهم مع الاندماج في وصلة غنائية من التراث المغربي استمرت لساعتين لأغنيات تتحدث عن قوة النساء وتقلب الرجال. 


"كباريه الشيخات" هي فرقة موسيقية مغربية أعضاؤها من الرجال الذين يؤدون أدوارا نسائية ليلا ويعيدون تحديد معنى أن يكونوا رجالا في النهار. 

وتعيد الفرقة تقديم فن الشيخات المهجور لجيل جديد من الجمهور، وكانت المغنيات اللواتي يلقبن بهذا اللقب جزءً من الفولكلور لكن هذا الفن ارتبط في ما بعد بفتيات الليل في المغرب أثناء الإستعمار.

وتأسست الفرقة بمبادرة من غسان الحكيم وهو ممثل ومخرج من مدينة فاس، تعرف على هذا الفن من خلال جدته. وعلى الرغم من أنه في طفولته كان يعتبر هذا الفن مملا إلا أن المؤدي بداخله قدّر فيما بعد القيمة الفنية لتقديم هذا الدور على خشبة المسرح. 

وتحولت الفرقة من تقديم عروض صغيرة في 2016، إلى اسم معروف يقدم عروضا في الأندية الليلية المزدحمة في الدار البيضاء بالإضافة إلى العروض الدولية مع عدد من المتابعين المخلصين على وسائل التواصل الاجتماعي.

امتياز تحت الضغط

يلقى كابريه الشيخات ترحيبا من الليبراليين لكنه يتعرض لانتقادات كثيرة من المحافظين باعتباره عرضا للمتحولين جنسيا. لكن بالنسبة إلى غسان وزملائه، يمثل العرض شيئا آخر فهم يقولون إن الأمر كله يتعلق بالحرية واحترام الاختلاف - للرجال والنساء. 

ويشير غسان، إلى أن هناك شعورا غريبا بالتحرر خلال الساعات التي تقضيها الفرقة في الأزياء والمكياج والشعر المستعار (بمساعدة من زوجة غسان).

ويصف غسان ذلك بأنه "شعور مذهل، عندما أرتدي الفستان، فإنه يحولني. أشعر ببشرتي، أشعر بالريح. الأمر مختلف مع ملابس الرجال لأنها مغلقة للغاية".

ويتذكر غسان ردود الفعل: "عندما ارتدينا هذه الملابس ورقصنا ، بدأ بعض الحاضرين يتفحصون أجسادنا". "شعرت أن لديهم رغبة تجاهنا، ينظرون لنا بشكل شهواني، كانوا كما لو أنهم ينتهكون مكاني الشخصي. والتفكير، بأن ذلك هو ما تشعر به النساء يوميًا أمر متعب. قلنا لهم، لا، لا تنظروا لنا بهذه الطريقة؛ لا يحق لكم فعل ذلك ".

**يعتقد 53 بالمئة من الرجال المغاربة أنه من المهم الامتثال لمعايير الجسد المثالي كما تظهرها وسائل الإعلام؛ في مقابل 52٪ من النساء من اللواتي شاركن في الاستبيان يعتقد الشيء نفسه بالنسبة لهن. استبيان بي بي سي مع البارومتر العربي، 2019

أمين النوني، الذي يلعب دور أحد أشهر شيخات المغرب، يعتبر أن الوقت على خشبة المسرح استراحة من الضغوط الاجتماعية. 

ويتنهد قائلاً: "من الصعب اليوم أن تكون رجلاً لأن المجتمع يكبل الرجال بمسؤوليات ثقيلة حقًا". "يقولون إنه رجل ويمكنه فعل أي شيء، لكن في الوقت نفسه يقولون إنه رجل ويجب ألا يفعل أشياء محددة."

منح "كباريه شيخات" أمين الشجاعة ليكون الرجل الذي يريد أن يكونه.

جلست مع بعض الحضور لأخذ رأيهم في العرض وما يعنيه لهم.

الرجال يرتدون ملابس النساء، ما هي المشكلة؟ "هذا لا ينتقص من رجولتهم شيئا" ، هذا ما أخبرني به ثلاث نساء في العشرينيات من الدار البيضاء جئن ليستمتعن بسهرة في المدينة. "على أي حال ، فالنساء في المغرب صرن أكثر رجولة الآن" ، كما قالت لي إحداهن ثم ضحكن بصوت عال.

تحدثت مع شاب كان يحتسي شرابا وحده وكان تقييمه للعرض أكثر اتزانا. حتى أقول الحقيقة، من الغريب في العالم العربي رؤية رجال يرتدون ملابس النساء. ولكن هنا ، يوجد حرية ". وأشار إلى النافذة وإلى الشارع "في الخارج إذا ارتديت الملابس نفسها سيتم القبض عليك ، وقد تتعرض للضرب. خارج هذا المكان، لا توجد حرية على الإطلاق."

الخلاصة

بيت القصيد بالنسبة إلى صفاء، وعائشة، وساندرين وغسان وكل من يتجرأ على تحدي الوضع الجنسي القائم - هو تجاوز المساحات الصغيرة والآمنة التي خلقوها بشق الأنفس ليصلوا للمجتمع بأكمله.

ففي منطقة غارقة في الصراع والفساد مع ملايين من المشردين وملايين آخرين يكافحون لتغطية تكاليف الحياة قد تبدو الحياة الجنسية المشبعة هي أقل مشاكلنا. 

لكن الانفتاح على الجنسانية هو أمر مهم إذا أردنا رؤية مجتمعنا أكثر سعادة وصحة في السنوات القادمة. فمع تلاشي الآمال العريضة بالحرية والمساواة والكرامة والعدالة من الفضاء العام مع بداية هذا العقد فإن ترسيخ الحميمية في حياتنا يكتسب أهمية أكثر.

جميعنا نعرف الخطوط الحمراء في مجتمعاتنا: السياسة والدين والجنس. ولكنها  ليست خطوطا متوازية وتتدفق وتختلط مثل الخط العربي المزخرف. إذا قمت بتغيير السرد حول الجنس فإن المعاني الأخرى سوف تتغير كذلك.

لكن هذا نتاج عمل جيل كامل على الأقل. في الجنس كما هي الحال في السياسة لا يحدث تغيير كبير ومستدام في منطقتنا من خلال الثورات، ولكن من خلال عملية تطور تدريجية.

عائشة تشبه هذا بأزهار الصحراء. "نحن مثل أرض شديدة الجفاف إذا سكبت الكثير من الماء عليها، فما الذي سيحدث؟ سيفيض الماء. عليك أن تعطي المجتمع وقتا لاستيعاب التغيير".

 وفي رام الله، تشارك صفا أفكار عائشة.

"عند القيام بهذا العمل، نشعر أحيانًا بأننا وحدنا في الصحراء، ولكن في الواقع هناك الكثير من الناس مثلنا. علينا أن نقبل أننا لا نزال في طور الزراعة، ولن نتمتع بنتائج عملنا الشاق على المدى القصير أولئك الذين سيأتون بعدنا هم من سيجني الثمار".

فريق العمل:

المؤلفة: شيرين الفقي

تصوير فوتوغرافي وإخراج: رمزي حداد

إعداد

سهى إبراهيم

Rosie Garthwaite

تصميم فني

Maryam Nikan

Shorthand advisor

Ana Lucia Gonzalez

Credits: BBC, Hobb al Thaqafa

رؤوساء التحرير

مصطفى كاظم

Tim Awford