هل صوت أبواق السيارات في دلهي الأعلى في العالم؟

  • 2 فبراير/ شباط 2014
تتزاحم سبعة ملايين سيارة يوميًا في شوارع دلهي، ليفوق ذلك عدد السيارات بشوارع مدن الهند الثلاثة الكبرى مجتمعة.

لكل مدينة طابع صوتي يميزها عن غيرها، بدءا من أصوات الطيور والمذياع وحتى هدير القطارات وأبواق سيارات الإسعاف.

وبالنسبة لسكان العاصمة الهندية دلهي، يتسبب الازدحام المروري في ساعة الذروة في حدوث تلوث سمعي يتسم بالخطورة الشديدة، وهو ما دفع الخبراء إلى التحذير من أن ذلك قد تتبعه أضرار صحية خطيرة.

أشعر بالحظ أنني أعيش في شارع مغلق في نيودلهي، فيومي يبدأ وأنا أستمع إلى تغريد الطيور فوق الأشجار، بينما يمر بائع الفواكه الجوال معلنا بصوته عما لديه من أصناف الفاكهة المختلفة.

ولا أجد صدى هذه الأصوات عندما أستيقظ في العاصمة البريطانية لندن على سبيل المثال، حيث يصبح الهدوء التام. أما بالنسبة لغالبية سكان دلهي، فهم لا يسمعون هذه الأصوات المبهجة التي تتلاشى يوميا مع هدير محركات السيارات الذي يعم شوارعهم.

فهناك سبعة ملايين سيارة تتزاحم في شوارع دلهي كل يوم، وهو ما يفوق عدد السيارات في شوارع المدن الهندية الثلاثة الكبرى الأخرى مجتمعة.

تداخل صوت الأبواق

وتتسبب سلوكيات القيادة السلبية في إحداث حالة من الغضب بين سائقي السيارات، لتتعالى معها أصوات الأبواق التحذيرية في الشوارع خلال الشجار بين السائقين، أو لتنبيه راكبي الدراجات والمارة والأطفال، أو الكلاب الضالة وقطعان الماشية، أو أي إنسان آخر دفعه حظه العاثر ليكون أبطأ منهم.

وعادة ما تكون السيارات الصغيرة هي أكثر المركبات إثارة للضوضاء، كما أن الدراجات النارية تجري بسرعة بين السيارات، وتظهر فجأة من حيث لا تدري بصوت طنينها العنيف، أما في المساء فيُسمع صوت أبواق الشاحنات عندما تتسابق في الشوارع الخاوية التي منعت منها طيلة النهار.

"هنا لن يفسح الناس الطريق إلا إن كان لديك بوق عال جدًا."

ذهبت ذات يوم لأبحث عن سوق بيع الأبواق في دلهي القديمة، فوجدته بين قصور القرن السادس عشر المتهالكة، حيث شاهدت تشكيلة من قطع السيارات معروضة للبيع: مصابيح أمامية، مرايا جانبية، مقاعد، بل وهياكل كاملة للسيارات، في حين كان هناك شارع بأكمله مخصص لبيع الأبواق.

ووجدت متجرًا كان صاحبه يعرض مجموعة كبيرة بفخر شديد، سألته أي منها الأعلى صوتًا، فضغط على أحدها بدون إنذار وشعرت وكأن إنفجارًا ثقب أذني. تراجعت إلى الوراء على أثر الصوت. أغطي أذني بكلتا يدي، مندهشًا من قدرة الصوت على الإيذاء.

وكانت قوة صوت البوق تبلغ قوتها 118 ديسيبل أي ما يعادل ضربة رعد، وظللت أشعر بألم في أذني لمدة يومين بعدها.

وعلى الرغم من ذلك قال صاحب المتجر إن السائقين يأتون خصيصًا ليستبدلوا أبواق سياراتهم الأصلية بأخرى أعلى صوتًا.

وقال "لن يفسح الناس لك الطريق هنا إلا إن كان لديك بوق عال جدًا."

حملة توعية

يذكر أن استخدام أبواق السيارات ممنوع قانونيًا بجانب المدارس والمستشفيات وعند تقاطع الطرق، ولكن نادرًا ما يلتزم أحد في دلهي بهذه القاعدة.

ومن هنا صار التلوث السمعي حادا جدًا للدرجة التي بدأ يؤثر فيها بشكل ملحوظ على صحة سكان المدينة.

وقد أوضحت دراسة جديدة أن الأمر لا يؤثر فقط على أطفال المدارس والمرضى في المستشفيات، ولكنه يسهم أيضًا في زيادة نسبة التوتر والإصابة بأمراض القلب، وظهور الصمم المرتبط بالسن قبل ميعاده المعتاد بخمسة عشر عامًا.

شعرت أني أمام نظام فاسد حيث يستطيع أغلب السائقين الحصول على رخصة قيادة بدون تعلم قواعد السير في الطرق.

ويعتبر الوضع سيئًا لدرجة أن رجلًا من سكان دلهي لجأ إلى أساليب جديدة لتوعية السائقين.

فمنذ خمس سنوات بدأ مواطن يدعى رافي كالرا ومجموعة من المتطوعين معه يستوقفون السيارات والتحدث إلى السائقين بالإضافة إلى وضع ملصقات كتب عليها "لا تستخدم البوق!" على سياراتهم.

ويخبرني كالرا أن السائقين يستخدمون الأبواق إحتجاجًا على تعطيل المتطوعين لهم أثناء السير، كما أنه يتلقى أحيانًا نظرات ازدراء أو شتائم، لكنه يريد أن يثبت أنه بإمكان الهنود أن يقودوا السيارات بترو أكثر من ذلك.

وبينما نظرت إليه وهو يحدثني شعرت أني أرى أمامي أعراض نظام فاسد يستطيع أغلب السائقين من خلاله الحصول على رخصة قيادة بدون تعلم قواعد السير في الطرق.

وبينما أشاهد كالرا يتحدث إلى سائقي دلهي، يبدو جليًا أن كلماته لا تلقى أدنى اكتراث، ويبدو أن صوت الأبواق أصاب عقول السائقين بالصمم أيضًا.