الحصار يوقظ أشباح "الحرب القذرة" في الجزائر

آخر تحديث:  السبت، 19 يناير/ كانون الثاني، 2013، 20:41 GMT
لقطة تلفزيونية للرهائن والخاطفين

تشابه بين أزمتي مالي والجزائر

ترتبط الأزمتان المتشابهتان اللتان تتعلق كل منهما بجانب من جوانب الصحراء الكبرى في الجزائر والجانب الآخر في مالي ارتباطا وثيقا.

فالجماعات الإسلامية في مالي لها جذور ضاربة في أعماق الجزائر، كما أن المختطفين ممن قاموا بتلك الهجمة في الجزائر يقولون إنهم ينتقمون للتدخل الفرنسي ضد حلفائهم في الجنوب.

بينما قال بعض المحللين إنه لم يعد ممكنا منذ قيام الثورة الفرنسية في مالي أن يجري تخطيط عملية بهذا التعقيد وتنفيذها خلال أيام قليلة.

ومن المحتمل أن تكون الجماعات الإسلامية ذات الصلات القوية والتي تقوم بتلك العمليات في الصحراء الكبرى على صلة بخلايا نائمة أو قوات فدائية من الجزائر أو البلدان التي وراءها تتحالف معها، إضافة إلى المتضامنين المحليين ممن يستعدون للانضمام لتلك الأنشطة، إذا ما جرى التوصل إلى قرار بتنفيذ عملية نوعية جديدة.

ومع وقوع أزمة خطف الرهائن في القاعدة النفطية التابعة لشركة بي بي الواقعة في منطقة تغوينتورين جنوبي الجزائر، يستدعي ذلك مرة أخرى قضية الجماعات الإسلامية في الجزائر التي ظهرت في أوائل تسعينيات القرن الماضي قبل أن تدحرهم قوات الجيش، وتجبرهم على اللجوء إلى مالي التي أخطأ رئيسها حينذاك توماني توري في التساهل معهم.

وتعتبر أزمة جمهورية مالي بنسبة كبيرة الناتج الثانوي عن الصراع الذي جرى نسيانه في الغالب، إلا أنه كلف الدولة خسائر في الأرواح ما بين 70 ألفا إلى 150 ألف خلال ما يعرف بالحرب القذرة في الجزائر والتي استمرت بين عامي 1991 و2002.

ويمثل الجزائريون أغلبية ساحقة في صفوف قيادة الجماعات الجهادية شمالي مالي.

وسرعان ما استغل أولئك القادة ما تعلموه وتدربوا عليه في أفغانستان أثناء الحرب مع الاتحاد السوفييتي –بمباركة الدول الغربية- من تكتيكات قتالية في مواجهة الحكومة المركزية، بعد أن أوقفت عملية الديمقراطية بقوة في تلك الفترة بين دورتين انتخابيتين.

ومع فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات ببرنامج شعبي قائم على الدين، منع حزب جبهة التحرير الوطنية الحاكم، الذي كان يملك زمام النظام القائم على أساس الحزب الواحد في يده منذ الاستقلال، منع الإسلاميين من أن يستولوا على السلطة قانونيا.

وعلى الرغم من أن بعض الإسلاميين ما يزالون يحملون صفة قانونية، إلا أن التضييق الذي شهدته أحزابهم ساعد على الإسراع بخروج جماعات مسلحة عملت على فرض سيطرتها في البداية على بعض المقاطعات في الجزائر. وذلك قبل أن يمنوا بهزائم تدريجية على حساب صراع طويل ودامٍ خلّف وراءه مواطنين متخوفين من أن يثوروا عندما اجتاحت الانتفاضات أرجاء العالم العربي في عامي 2011 و2012.

وبعد أن هزموا عسكريا، اضطرت الجماعات الإسلامية لأن تترك مواقعها المحصنة في شمالي الجزائر، حيث كان التمويه أكثر سهولة بشكل نسبي إلا أنه لم يكن كافيا لحمايتهم في مواجهة جيش نظامي تزداد هجماته يوما بعد يوم في محاولة للقضاء عليهم.

وكانت تلك الجماعات تطارد شيئا فشيئا نحو الصحراء الكبرى، إلى أن حصل الجيش على عتاد عسكري مكنه من إخراجهم خارج الأراضي الجزائرية كلها.

هدف طبيعي

واستقر العديد منهم شمالي مالي، وكانت الفرصة سانحة لهم هناك لأن يقيموا علاقات مصاهرة مع السكان المحليين ويتزوجوا من بناتهم.

ومع اندماجهم بشكل قوي داخل ذلك النسيج الاجتماعي، فقد ربطوا أيضا بين أجنداتهم التي يدعمونها وبين مشكلة الطوارق القائمة منذ زمن، والتي تسببت في اندلاع خمس انتفاضات حتى الآن في مالي والنيجر منذ الاستقلال في ستينيات القرن الماضي.

إضافة إلى أنه كانت هناك تقارير تخرج بشكل مستمر عن أن الاستخبارات الجزائرية قد ترحب لدعم ذلك الانتقال الذي لن يتيح لهم أن يقضوا على مشكلة الإسلاميين المسلحين داخل الجزائر فحسب، بل سينبه الحكومات الغربية بشكل مستمر إلى المخاطر التي تحدق بالمنطقة، ومن ثم افتعال مساعدات خارجية يقدمونها للحكومة الجزائرية.

وقد عملت الحكومة الجزائرية لوقت طويل على تقيم حل تفاوضي للمعضلة التي يشهدها شمالي مالي، حيث إنها تدرك عواقب أي تدخل عسكري في الصحراء الكبرى من شأنه أن يعيد مشكلة الإسلاميين إليهم.

إلا أن أحد أهم شركائهم في هذه الاستراتيجية، وهي حركة أنصار الدين الإسلامية التي يتزعمها الطوارق، تخلوا عنهم وشاركوا في الهجمة التي شنت على الحكومة المالية.

ومع انكسار الوضع الراهن الذي كان يسيطر على المشهد منذ ربيع عام 2012، كان ذلك سببا في إطلاق العملية العسكرية الحالية بقيادة فرنسا في محاولة منها تفادي انهيار حقيقي للنظام في باماكو.

ومع فتحها لمجالها الجوي أمام المقاتلات الفرنسية للوصول إلى مالي وإغلاقها للحدود مع جارتها الجنوبية، عادت الحكومة الجزائرية رغما عنها إلى حرب قديمة لا يستوعبها أحد بشكل جيد أكثر منها.

ومع عدم قدرتهم على مجابهة القوة العسكرية للآلة الفرنسية المتقدمة، توصل المقاتلون الإسلاميون إلى مجموعة من التكتيكات، وعملوا جاهدين أيضا على أن يصدروا الحرب بقدر الإمكان إلى الدول الأخرى المجاورة.

وكانت الجزائر من بين تلك الدول نظرا لأنها تعتبر هدفا هاما على الميتوى التاريخي والتعبوي والرمزي أيضا.

فعلى المستوى التاريخي، تعتبر الجزائر هي مقبرة الصراع الإسلامي العسكري في شمال إفريقيا. كما تضم على المستوى التعبوي بعض الخلايا النائمة المتحفزة التي يمكن تنشيطها عند الحاجة.

ورمزيا، تحمل تلك الهجمة التي استهدفت مخيم العمال في القعدة النفطية التابعة لشركة بي بي رسالة قوية إلى الحكومة الجزائرية، حيث إن ذلك يعتبر تهديدا لقطاع عمل قومي حيوي وتوجيها للدولة لأن تعمل على توجيه جهودها لاستئصال أشكال الإرهاب من أراضيها.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك