أزمة منطقة اليورو: موقع كاتالونيا من اسبانيا

آخر تحديث:  الأحد، 9 ديسمبر/ كانون الأول، 2012، 17:05 GMT
علم كاتالونيا

العلم الكاتالوني عاد يرفرف

في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول هذا العام، كنت أنظر إلى برشلونة وهي منغمسة في اللونين الكاتالونيين: الأحمر والأصفر. أما باقي أنحاء العالم، فكانت ترتبط هذا التاريخ بالاعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).

إلا أن تلك الاعتداءات احتلت المرتبة الثانية لدى الكاتالونيين بعد يوم كاتالونيا الوطني المعروف باسم "لا ديادا"، وفيه يتم احياء ذكرى السقوط الأخير لبرشلونة عام 1714، بعد الحصار الذي ضربه القشتاليون والقوات الفرنسية على هذا الاقليم، والذي استمر لأكثر من عام.

وفي هذا العام، ظهر علم يحمل نجمة بيضاء تتوسط خلفية زرقاء بين تلك الأعلام الحمراء والصفراء التي يحملها الكاتالونيون، حيث تشير تلك النجمة إلى أن حاملها يدعم الاستقلال التام عن مملكة إسبانيا.

وبالرغم من أن العديد من المتظاهرين رفعوا الشعار القائل بأن "كاتالونيا هي دولة أوروبا الجديدة"، أعتقد أن حتى أكثر الانفصاليين حماسا كانوا متوترين من حدوث أقل التداعيات لتلك الأفعال.

ومما خفف حدة التوتر محاولة ساندرو روسيل رئيس اتحاد نادي برشلونه، تبديد الشكوك عبر تأكيده أن النادي سيستمر في اللعب في الدوري الإسباني، حتى وإن انفصل كاتالونيا. فالعالم لن يعود طبيعيا إذا لم تنظم مباراة بين فريقي ريال مدريد وبرشلونه.

ضغط منطقة اليورو

ولا شك في أن الضغط في اتجاه هذا النزوع الانفصالي يرتبط بأزمة اليورو.

وبما أن كاتالونيا تعتبر المنطقة الأكثر غنى في اسبانيا، فهي تمثل المصدر الأكبر للإسهام الإضافي في موازنة الدولة الاسبانية الذي يجري توزيعه على المناطق الأكثر فقرا في الدولة.

حيث تقدر وزارة المالية في مدريد أن ذلك الإسهام قد يصل إلى نحو 17.8 مليار يورو ( 22.9 مليار دولار) أو ما يزيد على ثمانية في المئة من الناتج القومي الإجمالي لكاتالوينا.

وهذا التوزيع للثروة هو ما أثار مشاعر الاستياء لدى الكاتالونيين، ليشبه الامر الجدل الذي دار أكثر من مرة بين سلوفينيا وكرواتيا فيأواخر ستينيات القرن الماضي، والذي تسبب في انهيار يوغوسلافيا.

فقد استنكر السلوفينيون والكرواتيون جعلهم مصدرا لدعم الاقاليم الفقيرة، ولاسيما كوسوفو ومقدونيا.

أما في اسبانيا، فقد بدأ استياء الكاتالونيين في الآونة الأخيرة مع الخصومات الضريبية المتأرجحة التي كانت حكومة ماريانو راخوي تفرضها عليهم، وهي تعمل على تطبيق إجراءات التقشف التي طالب الاتحاد الأوروبي الحكومات الأوروبية باتخاذها.

وانتقد القوميون الكاتالونيون تلك الخصومات، فيما كان الدعم المالي يتدفق الى المناطق الأكثر فقرا.

وعزز ذلك من النزعة الانفصالية لدى اليمينيين واليساريين. لذا، فإن 57 في المئة من سكان الاقليم أعربوا عن دعمهم للاستقلال التام عن اسبانيا.

وقود الوطنية

عندما زرت برشلونه في سبتمبر/أيلول، كان دعاة الاستقلال من القطالونيين يسارعون في الإشارة إلى أن عدم الرضا الاقتصادي يأتي فضلا عن الضغوط السياسية والثقافية، بما فيها ما يعتبرونه تمييزا ضد لغتهم القطالونية.

إلا أنه وفوق كل ذلك، يرجع دعاة الانفصالية بذاكرتهم إلى التاريخ. حيث إن الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لا يعتبر يوما قوميا للبطولات التي قام بها رافائيل كازانوفا الذي كان يحكم برشلونه وقت الحصار فحسب، بل لما حدث أيضا بعد تسليم المدينة.

فخلال عامين، فرض الملك الاسباني المنتصر فيليب الخامس عقوبات على مقاطعات آراغون، وذلك بإصدار المراسيم التي تعرف باسم "نويفا بلانتا".

وكانت كاتالونيا قد انضمت الى آراغون في القرن الثاني عشر، إلا أنها حافظت على برلمانها مستقلا.

وأتى الملك فيليب الخامس ليلغي البرلمان البرشلوني ويفرض القانون القشتالي على كامل أنحاء الدولة الآراغونية، بما فيها كاتالونيا.

وكان الملك يتبع في ذلك النمط الذي تقوم العديد من مختلف الدول الأوروبية الكبرى ممن كانوا منشغلين بمركزية حكوماتهم وإداراتهم الاقتصادية. وعلى الرغم من أنه كان من الواضح أن الامبراطورية الاسبانية لم تكن تمتلك القوة التي عهدت عنها في القرن السادس عشر تحت حكم فيليب الثاني، إلا أن مملكاتها أخذت في التوسع في المقاطعات حتى وصلت إلى أوج اتساعها في أواخر القرن الثامن عشر.

وبالرغم من كل ذلك، أذكى القمع الذي واجهته الهيئات الكاتالونية المستقلة التي كانت موجودة لقرون عدة ذلك الشعور بالقومية الكاتالونية لثلاثمئة عام جديدة.

حيث عملت الحكومة الاسبانية على إعادة كاتالونيا عن الاستقلال ثلاث مرات، وإخماد الدعوات الانفصالية مرتين، وذلك في القرن العشرين وحده.

وعندما ازداد التعثر الاقتصادي والسياسي، اصبحت وتيرة الدعوة الى الانفصال أعلى، وكانت ابرز الاحداث في التاريخ الحديث الحرب الاهلية الاسبانية، تلك التي اذكت ذكريات مريرة في أذهان القطالونيين.

لم يفض انتصار الدكتاتور الفاشي الجنرال فرانشيسكو فرانكو الى عمليات قمع وحشية لكل من حاربه من جانب الجمهوريين فحسب، بل دفع مدريد مرة اخرى الى توجيه اوامر بالغاء المؤسسات ذاتية الحكم لكاتالونيا.

وخلال فترة حكم فرانكو التي امتدت اربعين عاما، لم يغفر الدكتاتور مقاومة الكاتالونية له خلال الحرب الاهلية، وتجاهلت سياساته على نحو منهجي المنطقة لاسيما ما يتعلق بالبنية التحتية الاقتصادية.

ولا يعني ذلك ان الكاتالونييين الذين تحركوا تجاه الاستقلال تمتعوا دوما بالدعم المرصود حاليا. فبالنسبة لكاتالونيا نجدها استفادت من ارتباطها باسبانيا كما ان اقتصادها حاليا مندمج بشكل كبير مع بقية الدولة.

شعب مختلط

تشير أحدث بيانات للتعداد الى ان اقل من 50 في المئة بقليل من سكان المدينة يجيدون قراءة وكتابة اللغة بطلاقة، في حين يستطع 25 في المئة اخرون الحديث او حتى الفهم مع وجود بعض الصعوبات، لكن الجميع في المدينة بكل تأكيد يتكلمون ويكتبون الاسبانية.

وتمثل فكرة استقلال كاتالونيا مبعث قلق للمهاجرين.

وفي ظل حكم الملك خوان كارلوس، وهي فترة ملكية حساسة تجاه ضغوط الاقاليم في اسبانيا، بدا ان برشلونه ومدريد قد توصلتا الى نوع من التعايش.

نعمت كاتالونيا منذ اواخر السبعينيات بحكم ذاتي على نطاق واسع، لكن في هذه الايام ونتيجة لعوامل خارجية، مثل ازمة منطقة اليورو وتأثير ذلك على اسبانيا التي تعاني بالفعل من ازمة مصرفية كبيرة، فإن العلاقات بين مدريد وبرشلونة باتت على مشارف الانهيار.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك