
تشهد دولة جنوب السودان أعمال عنف بين قبائل متنافسة خلفت أعدادا غير معروفة من القتلى. الصحافي هاناه ماكنيش يرصد هجوم على مقاطعة بيبور نفذه 6000 مقاتلا.
أخذت لاباكال كالاهين تهدد طفلتها التي تبلغ من العمر 18 شهرا، بينما كانت تنتظر مع مئات من المواطنين الآخرين توزيع الطعام في ظهيرة أحد الأيام القريبة.
واسترجعت رحلة هروبها من مسلحين فرقوا شمل أسرتها: "كنا نجري صوب الأدغال، ولكنهم أخذوا يطلقون النار علينا. وسقطت ابنتي ميتة...كان عمرها ثمانية أعوام."
كما الحال مع آخرين يقدروا بعشرات الآلاف، هربت كالاهين من منزلها المشتعل بمقاطعة بيبور بعدما نشبت أعمال عنف دامية بين قبيلتي المورلي ولو نوير على ولاية جونقلي بدولة جنوب السودان.
وتفاقم ثأر قديمة بين القبيلتين، وقام 6000 مسلحا من شباب قبيلة لو نوير بالتحرك إلى بيبور للهجوم على المورلي.
آلاف القتلى
تمكنت إسمياه شان وأطفالها الثمانية من الهرب من موت محقق في قرية ثوغنيانغ، ولكن لم يحالف الحظ آخرون. وتقول شان: "أطلقت الرصاص على البعض، وطعن آخرون أمامي عيني."
ولم تتمكن الأمم المتحدة أو الحكومة من تحديد أعداد القتلى الذي سقطوا على يد هؤلاء المسلحين في هذه المنطقة التي تفتقر إلى البنية التحتية.
وقال المفوض المسؤول عن مقاطعة بيبور إن العدد يتجاوز 3000 قتيلا، ولكن لم يتسن التثبت من ذلك.
وربما يكون ذلك أسوأ نزاع تشهده جنوب السودان منذ استقلالها عن السودان في يوليو/تموز 2011.
ويعتقد المسؤول الطبي بالمقاطعة جيمس تشاشا أن "أكثر من 2000" سقطوا قتلى على يد المهاجمين المتجهين إلى مدينة بيبور، مشيرا إلى أن محاولة بعض الجنود الدفاع عنها.
ويقول تشاتشا إن حوالي 800 جنديا حكوميا في بيبور أطلقوا النيران على المهاجمين أثناء عودتهم.
كان لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان 400 جنديا من قوات حفظ السلام في بيبور وقت الهجوم، وزاد العدد إلى 1000 جنديا.
ويقول قويدر زروق، المسؤول بقوات حفظ السلام في السودان: "يمثل ذلك تقريبا نصف قوات القتال الجاهزة التابعة للأمم المتحدة والتي يصل تعدادها إلى 2100 جنديا."
عمليات نهب
تظهر هجمات انتقامية نفذت الأسبوع الماضي عجز السلطات عن احتواء أعمال العنف. وتقول الحكومة إنه سقط خلالها نحو 100 قتيلا.
وقال حاكم ولاية جونغلي كول مانيانغ بعد هجوم وقع مساء الخميس وسقط فيه 57 قتيلا معظمهم من النساء والأطفال: "هذه قرى أنشأنها المواطنون في مناطق نائية، وبالكاد يمكن حمايتها."
وأضاف: "صعوبة الوصول إلى هناك تمثل عقبة كبيرة. ولو كانت هناك عناصر من الشرطة على بعد 20 كيلومترا، فإنه لا يمكنهم الوصول."
وخلفت هجمات وقعت يوم الجمعة 13 قتيلا بقرية على بعد 6 كليومترا من ثكنة تابعة للجيش.
وتساور الأمم المتحدة مخاوف بشأن إمكانية توصيل "مساعدات إنسانية" تستهدف نحو 60,000 شخص هجِّروا من منازلهم.
ويقول أكور ألان: "يعتمد بقاءنا أحياء حاليا على الطعام الذي سيأتي إلينا."
وسجل برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أكثر من 30,000 شخص في بيبور الأسبوع الماضي، بالإضافة إلى 4500 داخل غوموروك، التي تقع على نحو 40 كيلومترا.
وتقول ليز غراندي، منسقة المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة داخل جنوب السودان "لا يوجد سوى عدد قليل من شركاءنا في بعض أسوأ المناطق المتضررة، بل لا يوجد أي أحد في مناطق أخرى."
ويقوم برنامج الغذاء العالمي ببناء مراكز لتوزيع الطعام داخل ليكوانغول، وهي إحدى القرى التي تعرضت لدمار شديد.
كما تعرضت المستشفى الوحيدة داخل مقاطعة بيبور، التي تقدم خدماتها لما يصل إلى 160,000 شخصا وتديرها منظمة "أطباء بلا حدود"، لعمليات نهب خلال الهجوم. ولم تتمكن "أطباء بلا حدود" من الوصول إلى قرابة نصف طاقمها منذ ذلك الحين.
وقال كارل جانسين، منسق "أطباء بلا حدود" في بيبور: "أصيب مواطنون كثر بأعيرة نارية، وهرب آخرون من أعمال العنف."
إنهاء الخصومة
انتقد مواطنون متضررون من أعمال العنف في جونغلي بطئ الحكومة في التعامل مع الأحداث.
وقال عامل الإغاثة بوث جانغجول، الذي شاهد هجوما انتقاميا في أكوبو قتل فيه 24 شخصا "لا يمكن القبض على هؤلاء الأشخاص...وليس للحكومة أي سيطرة."
وبعد حرب أهلية استمرت لعقود قبل أن تنتهي في 2005، تنتشر الأسلحة داخل جنوب السودان. ويقول المتحدث باسم الجيش فيليب أغور إن مما ساعد على "توسيع نطاق النزاعات" وجود أكثر من 20,000 بندقية في جونغلي.
وقال دوغلاس جونسون، الخبير المتخصص في الشأن السوداني داخل جامعة أوكسفورد، إنه خلال الثمانينات والتسعينات قامت حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان بتسليح قبيلة المورلي مما أدى إلى "ظهور مليشيات" داخل جونغلي.
وتأتي الماشية في قلب الخصومة القائمة بين القبيلتين، ففي دولة لا توجد بها بنوك، تمثل البقر الثروة والمهر ومصدر الغذاء. ويمكن أن تبلغ قيمة بقرة واحدة مئات الدولارات.
وشنت قبيلتا المورلي ولو نوير غارات متبادلة من أجل الاستيلاء على الماشية، وسقط خلال هذه الغارات العديد من القتلى.
وتعهد بيان أصدرته مجموعة تزعم أنها تابعة لقبيلة لو نوير في الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول بـ"إزالة قبيلة المورلي بالكامل من على وجه الأرض."
ولكن قال وزير الإعلام برنابا ماريال بنجامين إن هذا البيان العنصري يقف وراءه لاجئ يعيش في الولايات المتحدة يحاول تحقيق مكاسب من النزاع القائم.
ويقول حاكم جونغلي إنه بعد غارات الماشية في أغسطس/آب الماضي 600 قتيلا، وافقت قبيلة لو نوير على إنهاء الثأر شريطة إعادة النساء والأطفال المختطفين. وأوضح: "كان يفترض وقوع هذا الهجوم في سبتمبر ولكن تدخلت الحكومة في القضية."
وبعد موعد نهائي محدد بثلاثة أشهر وانهيار محادثات سلام تحت رعاية الكنيسة في ديسمبر/أيلول، خرج هؤلاء الشباب الثائرون بهذا الشكل.
وتسعى السلطات لإنهاء الخصومة خشية خروجها عن نطاق السيطرة.















