وجهة نظر: التمثيل بالجثث في الحروب

آخر تحديث:  الخميس، 16 مايو/ أيار، 2013، 02:24 GMT

خالد الحمد، او أبو صقر، الذي يقال إنه المعارض السوري الذي أكل قلب جندي قتيل

أثار الشريط الذي نشر مؤخرا والذي يظهر معارضا سوريا وهو يأكل قلب جندي حكومي قرفا وانزعاجا كبيرين. ولكن هل كانت هذه الحادثة اكثر قسوة ولا انسانية من غيرها من الفضائع التي زخرت بها الحرب السورية إلى الآن؟

فلقد تعودنا في هذه الحرب على سماع أنباء عن قبور جماعية وتعذيب وقتل وتشويه المدنيين وإزالة قرى كاملة عن بكرة أبيها.

ولكن هذا العمل البربري الأخير استرعى انتباها خاصا. فأكل لحم البشر يناقض كل القيم والمبادئ الوضعية والأخلاقية المتعلقة بالتصرفات المقبولة في الحروب. فهل دخل العنف في سوريا مرحلة جديدة فعلا، وما هي دوافع هذه الاعمال؟

إن محاولة تفهم الآليات التي تغذي القسوة هو مجال اختصاص وحدتنا التابعة لقسم علم النفس في جامعة كونستانز.

لقد خلصنا، من التحدث إلى أكثر من 2500 مقاتل سابق من أوغندا ورواندا وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، الى أن ثمة أدلة تشير إلى أن الفضائع الكثيرة التي ارتكبت في تلك البلدان - دون أن يلحظها الغرب - كانت لا تقل قسوة ووحشية ولا انسانية من الحادثة الأخيرة في سوريا.

بل على العكس من ذلك، فعندما تسقط الحواجز الأخلاقية وعندما يشرعن العنف باسم الحرب، ينهار الوازع الذي يمنع عادة الانسان من قتل انسان آخر. فرؤية العدو أو الضحية وهو يعاني يمكن أن يكون بحد ذاته مكافأة كافية للعنف، ناهيك عن المكافئت الأخرى كالمجد والموقع الرفيع والمكافئات المادية.

وفي واقع الحال، هناك دافعان أساسيان لهذا الشكل من التصرف العنفي.

فهناك أولا العنف الناتج عن العواطف السلبية كالغضب والكراهية، والذي يبدو أنه مجرد رد على تهديد ما، وهناك ثانيا العنف المتأتي من عواطف ايجابية كالإثارة والمتعة الجسدية.

يميل المدنيون إلى تفهم العامل الأول أكثر من ميلهم لتفهم الثاني. ولكن لا أحد يعلم القصة التي تقف وراء الشريط السوري الأخير، وبالنتيجة لا يعلم أحد الدوافع التي جعلت المقاتل المعارض يتصرف بتلك الطريقة. ورغم أن تصرفه مرفوض ولا يمكن تبريره، سأحاول اثبات ان تصرفه يمكن فهمه اذا اخذنا بالاعتبار ما كان قد حدث قبيل ذلك.

فالبشر يتمكنون من التصرف بطرق قد تبدو غاية في اللا إنسانية اذا تملكهم الغضب العارم والرغبة بالانتقام.

من الأمثلة الجيدة على ذلك حادثتي اعدام صدام حسين واسامة بن لادن. فهاتان الحادثتان تؤكدان لنا أنه تحت ظروف معينة، قد يتخلى حتى المدنيون عن قيمهم الأخلاقية التي تتضمن التعفف عن القتل. فبدل أن يثيرا التقزز، اصبح البحث عن شريطي اعدام صدام وغرفة بن لادن المضرجة بالدماء كالبحث عن صيد ثمين.

ولذا، يجب الا تفاجئنا قسوة اعمال العنف التي تشهدها الحروب. فهل يمكن للمشاعر - وبالنتيجة، العنف - أن تكون أكثر شدة مما هي عليه في حرب طويلة وغير قابلة للحل كالحرب السورية؟

أما النوع الثاني من السلوك العنيف، وهو ما يطلق عليه العدوانية الاشتهائية (التي تمارس من أجل المتعة)، فهو غير مألوف لمعظم الناس. فقد قال ثلث المحاربين السابقين الذين استطلعنا آراؤهم إن العنف والمعاناة التي يمر بها ضحاياهم قد تثير فيهم روح الاثارة وحتى المتعة. وفي هذه الحالات، لابد من سفك دم الضحية عند قتله.

وتعتبر ممارسات كالتعذيب والتشويه (كبتر الآذان والشفاه والأعضاء التناسلية) والتمثيل بالجثث من الأعراض الجانبية المألوفة للحروب، ويمكن ملاحظتها في جميع الخلفيات الثقافية والتاريخية.

ولذا، لا يجب ان تفاجئ الحادثة السورية أحد، بل يجب ان نفاجأ بمقدار انتهاكات حقوق الانسان التي نتوقع أن تقع في سوريا التي لا يتم الاعلان عنها.

واضافة الى العدوانية الاشتهائية بوصفها دافعا أساسيا للقسوة، فلأكل لحم البشر بوجه خاص دلالات اجتماعية وشعائرية كبيرة. فهناك حركات تمرد تمارس عادة أكل لحم البشر باعتبارها تشكل جزءا من حضارتها التقليدية.

فعشرة بالمئة تقريبا من المتمردين السابقين في جمهورية الكونغو الديمقراطية قالوا في احدى الدراسات التي أجريناها إنهم أكلوا لحم البشر، بينما قال ربعهم إنهم شاهدوا رفاقا لهم يمارسون هذه العادة.

ومقاتلو الماي ماي في شرقي الكونغو يعمدون إلى شرب دم اعدائهم او أكل قلوبهم واعضائهم التناسلية لاكتساب قوة هؤلاء الأعداء. ولكن، وبما أنه ليست ثمة أدلة تشير إلى وجود تقليد مماثل في سوريا، فالتكهن بهذا الاتجاه يعتبر خاطئا ومبالغ فيه.

مع ذلك، من المرجح أن يترسخ التصرف الذي أبداه المعارض السوري في الحرب الدائرة رحاها في تلك البلاد.

فممارسة العنف بحق المدنيين واستخدام القسوة القصوى ضد الاعداء تعتبر استراتيجيات فعالة لاخافة العدو وتحطيم معنوياته رغم مخاطر الانتقام التي قد تثيرها.

فالاهتمام الذي أولاه الاعلام لهذه الحادثة والتقزز الكبير الذي اثارته قد يشيران إلى عزم المعارضين على اللجوء إلى العنف من أجل تحسين موقفهم التفاوضي، أو قد تغذي من ناحية أخرى دائرة العنف.

خلاصة القول إن الدوافع الكامنة خلف القسوة معقدة جدا، ولذا يتطلب تقييم الحادثة التي وقعت في سوريا توفر معلومات كافية، وهي غير متوفرة لا في الحادثة المذكورة ولا في الحرب السورية بشكل عام.

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك