أزمة سوريا: تماسك وسط المعاناة في حمص

  • 29 يناير/ كانون الثاني 2013
سقط في حمص ثلث عدد القتلى منذ بدء الانتفاضة ضد نظام الأسد.

شهدت مدينة حمص بعض أشد المعارك ضراوة في سوريا. وفي هذه المدينة المهمة استراتيجيا، سقط نحو ثلث إجمالي عدد القتلى المقدر بنحو 60 ألف قتيل حتى الآن خلال الانتفاضة الممتدة منذ 23 شهرا.

ومع استمرار القتال، اضطر الآلاف إلى التخلي عن منازلهم، وهم يكافحون الآن من أجل البقاء.

ولا تحظى مدينة حمص بالاهتمام اللازم، لكنها بالطبع ليست "عاصمة الثورة" كما تطلق عليها المعارضة.

مع بداية الانتفاضة في عام 2011، خرجت احتجاجات سلمية في كل أرجاء حمص تقريبا. ووقف الرجال والنساء جنبا إلى جنب في الميادين العامة يرقصون ويصفقون على أنغام أغاني تنادي بالحرية.

كما كانت حمص مكانا تؤلف فيه نكات عن الانتفاضة. وكان أهلها مصدر إلهام لآخرين من حيث الطريقة التي يسخرون فيها من واقعهم. ففي محاكاة ساخرة، استخدموا أنابيب التدفئة كأنها قاذفات قنابل، وثمار الباذنجان كأنها قنابل، ونوع من الحلوى كأنه رصاص.

كانت هذه هي الروح السائدة في حمص، لكنها اليوم، أصبحت شبه مهجورة وقابعة وسط الركام.

وباستثناء المناطق الموالية للنظام، وغالبية سكانها من الأقلية العلوية التي ينتمي لها الرئيس بشار الأسد، أصبحت حمص تبدو كمدينة أشباح.

وأشد المناطق تضررا هي الأحياء السنية، التي تصفها الحكومة بأنها "حاضنات للإرهابيين".

اخفاق الامم المتحدة

زار فريق تابع للأمم المتحدة مؤخرا مدينة حمص بغية الوصول إلى أكبر عدد من الأسر المحتاجة لمساعدات، والتي تشير التقديرات إلى أن عددها يزيد على أربعة ملايين أسرة في شتى أرجاء سوريا.

هناك انتقادات للأمم المتحدة لإخفاقها في إيصال المساعدات إلى معظم المناطق في سوريا.

ويقول جون غينغ، رئيس بعثة الأمم المتحدة، إن السوريين يعانون من صدمة لا تصدق.

ويقول غينغ "اعتقد أننا أصبحنا على مستوى العالم ساكنين تجاه هذه الأزمة. نحتاج للتحرك مجددا. مثل أي مكان، عندما يكون هناك صراع يكون الأبرياء هم الأكثر معاناة."

ويضيف "ما نراه هنا ليس فقط الحاجة للغذاء والدواء وأساسيات الحياة. فنحن نشاهد تدمير البنية التحتية للبلد كالمستشفيات والمصانع. كلها تعرضت للتدمير."

لكن هناك الكثير من الانتقادات للأمم المتحدة المتهمة بالإخفاق في إيصال المساعدات إلى معظم المناطق في البلاد، لاسيما المناطق التي تسيطر عليها المعارضة حيث تشتد معاناة المدنيين.

ويقول غينغ إن هذا الأمر ينبغي أن يتغير، مضيفا "هناك انتقاد مشروع للأمم المتحدة بأننا لا نوصّل ما يكفي من المساعدات." ويشير غينغ إلى أن سبب ذلك في المقام الأول هو أن الأمم المتحدة لم تحصل سوى على نصف التمويل الذي تطلبه.

ويتابع المسؤول الدولي قائلا "من الضروري للغاية بوصفنا الأمم المتحدة أن نوصّل المساعدات إلى كل مكان، سواء المناطق التي تسيطر عليها الحكومة أو المناطق التي تسيطر عليها المعارضة."

"الجميع في خطر"

الطائرات المقاتلة التابعة للحكومة تواصل التحليق في سماء مدينة حمص وقصف مناطق مختلفة بها.

وتحولت مدرسة محلية إلى مركز لإيواء نحو 75 أسرة. فالمواطنون يحصلون على مساعدة هزيلة من الأمم المتحدة. والمجتمع المحلي هو الذي يوفر الموارد من أجل اللاجئين.

كل فرد في المدرسة لديه قصة مختلفة. هم يشكون من تردي أحوالهم المعيشية، لكنهم لا يريدون الغذاء فقط. هم يريدون نهاية للعنف. يريدون أن يسمع المجتمع الدولي أصواتهم. ورفضوا جميعا أن يعرفوا عن أنفسهم.

سكان حمص يشكون تردي الأحوال المعيشية ويريدون نهاية للعنف

قالت امرأة لمراسلة بي بي سي إنها لم تستحم منذ شهر لعدم توافر المياه والتدفئة، ولأن الأوضاع متردية.

وتقول امرأة أخرى "الجميع في خطر حتى في المنازل. باستطاعة قوات الحكومة أن تأتي وتذبحنا أو تغتصب بناتنا."

يعيش أطفال هنا منذ أشهر دون تلقيهم للتعليم.

وتقول امرأة أخرى إنهم لا يدرون إن كانوا سيعيشون أم يموتون في اليوم التالي. وأثناء الحديث سقطت قذيفة أخرى.

وبالرغم من المعاناة، مازال هناك إحساس سائد بالتضامن. ففي أحد المناطق التي كانت يوما ما منطقة راقية خلف المدرسة، أقام المجتمع المحلي سوقا.

وقال زاهر الشبعان، المسؤول عن المبادرة، إنه كانت هناك حاجة ماسة للتحرك.

وأضاف الشبعان "كان هناك توافد كبير للمواطنين القادمين من أحياء أخرى، لم يعد باستطاعتهم أن يعملوا، وبدأوا ممارسة البيع في الشوارع."

ومضى قائلا "اقترح شيوخ المنطقة انشاء سوق في أرض فضاء لإتاحة فرصة للمواطنين لكسب أقواتهم."

وقال مواطن يبيع الفاكهة إنه كان يعمل في وظيفة تدر عليه دخلا جيدا.

وأضاف "اضطررت لترك منزلي قبل أكثر من عام، وأعيش مع عشرين شخصا من عائلتي في شقة صغيرة."

هذا المشروع يتيح نافذة أمل للقليل فقط، وحتى ما يحصلون عليه من دخل لا يكفي لإطعامهم أو إطعام أسرهم.

المزيد حول هذه القصة