أسعار الأراضي تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في غزة

آخر تحديث:  الجمعة، 12 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 15:14 GMT
غزة

شهدت غزة طفرة في مجال العقارات اعتمادا على مواد البناء التي يتم تهريبها عبر الأنفاق

في الصباح الباكر ليوم مشمس وعلى عربة يجرها حصان، ووسط بساتين الزيتون التي يملكها قابلت حامد طلبه الذي أصبح من ملاك الأراضي رغم مهارته كرجل شرطة.

هو لم يقطع صلته بالزراعة كلية، فهو يحقق منها أرقاما جيدة، ويتعامل معها كاستثمارات مربحة للغاية.

قال لي وهو يريني قطعة الأرض الخاصة به على حدود مدينة غزة "لقد اشتريت هذه الأرض بمبلغ 90 الف دولار عام 2010، والآن ثمنها يبلغ الضعف ويمكن أن أبيعها بمبلغ 180 ألف دولار."

ولكنه على عكس هذا يفكر في البحث عن قطعة أرض أكبر في مكان آخر ليبني منزلا، فالمساحات الخضراء في غزة تتحول بسرعة إلى اللون الرمادي.

ففي مدينة غزة تستطيع أن ترى، على الأقل جزئيا، السبب في الارتفاع السريع لأسعار الأراضي، فمنذ عام ونصف كانت هناك طفرة في مجال العقارات اعتمادا على مواد البناء التي يتم تهريبها عبر الأنفاق من مصر، والآن يوجد مكاتب جديدة وشقق في كل مكان، وصوت ثاقبات الصخور والحفارات وخلاطات الإسمنت يرتفع ليغطي على الصوت المعتاد لحركة المرور.

لندن وباريس ونيويورك

في أحد الفنادق التي يملكها على ساحل البحر قابلت عبد العزيز الخالدي أحد أغنى الرجال في غزة، كان شكله لا يوحي أبدا بكونه مليونيرا أو شخصية لامعة، ولكنه يبدو كمدير متوسط الحال، رغم بعض ملامح البحبوحة الاقتصادية التي تبدو عليه.

حيث وصل إلى موعدنا في سيارة ذات مظهر فاخر من نوع بي إم دبليو، وعلى الأرجح، وصلت هي الأخرى إلى غزة من تحت الأراضي المصرية.

تجارة الأراضي التي يعمل بها الخالدي مجال استثماري جيد هذه الأيام، يقول "منذ أعوام قليلة مضت وأسعار الأراضي في غزة ترتفع كل عام مابين أربعين إلى خمسين بالمئة."

ويرجع الخالدي سبب ذلك إلى الارتفاع الكبير لتعداد السكان في غزة على مساحة ضيقة مما يجعل العمل في تجارة الأراضي استثمارا جيدا، ويضيف أن الأسعار أكثر ارتفاعا داخل مدينة غزة التي يعتقد أهلها أنها ستكون أكثر أمانا في حالة نشوب حرب مع إسرائيل.

أخذني الخالدي مباشرة إلى شارع عمر المختار الذي يمر بجوار أحد المساجد الرئيسية بالمدينة قريبا من سوق الذهب، ويبدو الموقع أنه أغلى مكان في غزة بالكامل، مع أنه ليس به مايلفت النظر فهو يشبه طريق كنت القديم أكثر من مايفير، ولكن قطعة الأرض هنا قد يصل سعرها إلى أكثر من 20 ألف دولار للمتر المربع.

وبالبحث عبر شبكة الإنترنت في وكالات العقارات الدولية تكتشف أن هذا السعر يقترب من أسعار بعض الأحياء الفاخرة في لندن وباريس ونيويورك.

ولكن السؤال : هل يستطيع أي شخص شراءها؟

مليونيرات الأنفاق

بعض من هؤلاء الأشخاص القليلين الذين استطاعوا تكوين ثرواتهم جنوبي غزة على الحدود مع مصر، ليسوا بالتأكيد العمال الذين يغطيهم التراب وهم يقومون بإخراج الإسمنت من تحت الأرض، ولكنهم الرؤساء يديرون صناعة الأنفاق وجلب البضائع المهربة.

تلك التجارة التي ازدهرت مع استمرار الحصار المصري الإسرائيلي المشدد عندما وصلت حماس إلى السلطة في غزة.

في عام 2010 ومع الضغط الدولي خففت إسرائيل الحظر عن الكثير من البضائع التي تدخل إلى غزة، ولكن مواد البناء لاتزال القيود عليها مشددة.

فإسرائيل التي تقول أن الحظر الذي تفرضه موجه ضد الفرق المسلحة في غزة، تخشى من استخدام مواد البناء في العمليات العسكرية.

ولكن تجارة الأنفاق جعلت قليلا من الناس والذين لهم علاقات قوية مع حكومة حماس في غزة شديدي الثراء.

يقول عمر شعبان الخبير الاقتصادي في مؤسسة "بالثينك" الفكرية ومقرها غزة :"إن تجارة الأنفاق بين غزة ومصر أنتجت من يمكن أن نطلق عليهم المليونيرات الجدد، وهؤلاء الذين ربما لايزيد عددهم عن مئة أو مئتي شخص، قادرون على تحصيل قدر كبير جدا من المال في وقت قليل للغاية، يمكن القول أنهم يحصلون مليوني دولار كل شهرين، مبلغ شديد الضخامة، والاستثمار الأسهل والأسرع بالنسبة لهم هو تجارة الأراضي."

ويؤكد شعبان أن هذه الاستثمارات هي السبب في الارتفاع السريع لأسعار الأراضي، ولكن هذا العالم بعيد جدا عن الكثير من أهالي غزة الذين تظهر أرقام الأمم المتحدة أن متوسط الأجر لديهم لايزيد عن 15 دولارا في اليوم.

ويقول :"هذا العالم أبعد من أن يصل إلى 99 بالمئة من أهالي غزة، فهناك آلاف العائلات التي لاتجد نقودا تكفي لشراء طعامها اليومي، وهؤلاء الأشخاص الذين لديهم ملايين الدولارات ولا يعرفون ما يفعلونه بها لايمثلون العالم الحقيقي."

وحسب الخبير الاقتصادي فإن الحظر المصري الإسرائيلي آذى الناس العاديين ولكنه سمح لأناس قليلين يمتلكون علاقات جيدة بالحكومة أن يصبحوا أثرياء، وهذه الموجه من الارتفاع في أسعار الأراضي أدت لزيادة مساحة الفجوة بين من يملكون ومن لايملكون.

يضيف شعبان :"أن هذا هو السبب في أن بعض الناس في غزة يرفضون رفع الحصار عنها، وهو أيضا مايجعل بعض الناس سعداء بالصواريخ التي تسقط على إسرائيل بين الحين والآخر لأن هذا سيجعل الحدود تستمر مغلقة، وما تفعله إسرائيل هو مكافأة هذه الأقلية ومعاقبة الأغلبية."

ويتوقع أن تسوء الأمور أكثر من ذلك، ففي جباليا أحد أفقر أحياء غزة، يمكنك أن ترى الأطفال في كل مكان، فالفلسطينيون الذين يدفعون لأبنائهم مصروفات التعليم يفعلون التصرف الصحيح، ولكن الزي المتميز للمدارس القليلة الموجودة يتعارض مع القمامة التي تتناثر في الشوارع التي يلعبون بها.

فأكثر من نصف تعداد سكان غزة من الأطفال، ويؤكد تقرير حديث من الأمم المتحدة أن هذا التعداد سيزيد أكثر من نصف مليون آخرين في هذه المساحة الضيقة من الأرض بحلول عام 2020.

ولهذا فأسعار الأراضي الخالية ستصبح أغلى ثمنا.

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك