الست غالية: قصة طاهية مصرية تقود "انتفاضة المطابخ" عبر التلفزيون

آخر تحديث:  السبت، 28 ابريل/ نيسان، 2012، 15:54 GMT
الست غالية

غطت شهرة الست غالية على نجومية الكثير من نجوم التلفزيون في مصر، بمن فيهم الوجوه التي أفرزتها ثورة 25 يناير

عندما أدخلت قناة إخبارية مصرية تجسد أهداف ثوار ميدان التحرير بعض التعديل الطفيف على برامجها بغرض تقديم بعض الترويح عن المشاهدين، فقد صنعت بذلك عن غير قصد نجمة جديدة تمتعت بشعبية أكثر من التغطية الإخبارية التي تقدمها تلك القناة: إنها الطاهية الست غالية.

بداية يمكنني القول، وآمل أن نتفق على ذلك، إن هنالك فيضا زائدا عن الحد من برامج الطبخ على شاشات التلفزة المصرية.

فقد مر علينا كافة أصناف مشاهير الطهاة، من أصحاب الأسماء البراقة إلى أولئك الذين تنبعث من أفواههم الروائح الكريهة، ومنهم الصفيق المقيت ومنهم الظريف الأنيق، والكل يزعم أنه يقدم لنا ما لذ وطاب من المأكولات الشهية.

حينا نتثاءب، وحينا آخر يسيل لعابنا، ولكننا نعود بعدها إلى مطابخنا التي تبدو كئيبة إلى حد لا تصلح معه للظهور على شاشات التلفزيون. وكل ما نفعله بعد عبثنا هذا هو أننا نقلي بيضة أخرى.

وهكذا إذا، فإن آخر شيء قد يحتاجه العالم الآن هو نجم جديد من نجوم الطبخ هؤلاء.

روح التحرير

أما والحال هي هذه، فما الذي يمكنني أن أخبركم به إذا؟ لقد ذهبت مؤخرا إلى القاهرة بحثا عن سر ديمومة تلك الروح التي بثها ميدان التحرير في المكان، لكن ما حصل هو أنني بدل ذلك وقعت بغرام طاهية تقدم برامج الطبخ على شاشة التلفزيون.

إنها غالية محمود التي يطلق عليها المصريون بحب اسم "الست"، وهو اللقب الذي لا تحظى به عادة إلا قلة من النساء اللاتي يتمتعن بالقوة والاحترام نظرا لمقدرتهن النادرة على الحفاظ على حياة أسرهن وكسب عيشهن وتدبير أمور منازلهن في الوقت ذاته.

الست غالية هي في الثلاثينيات من عمرها، وهي قوية البنية، وذات ابتسامة ساحرة.

"أنا مثلي مثل 90 في المئة من النساء المصريات"

غالية محمود، مقدمة برامج طبخ مصرية

لقد تمكنت من تربية ابنتيها بينما ظلت تعمل لساعات طويلة يوميا كخادمة لدى إحدى الأسر الغنية في القاهرة.

لم تكن حياة غالية قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني من عام 2011 تتجاوز حدود عملها في مجال الطبخ والتنظيف في منزل الأسرة التي كانت تعمل لديها، طبعا بالإضافة إلى الاعتناء بأسرتها المتطلبة، والتي تسكن في حي الوراق، وهو من أكثر أحياء المدينة فقرا.

حكاية مصر

وحكاية غالية هي كحكاية بلدها مصر، فقد وجدت هذه السيدة حياتها وسط تيارات ثورية عدة تتجاذبها من كل ناحية وصوب. فبعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك، خطرت فكرة جديدة في بال رب الأسرة التي كانت تعمل لديها غالية، وهو مؤسس لمحطة تلفزيونية موالية للثورة.

فقد أراد محمد جوهر أن يرى برنامجا جديدا يقدم شيئا من الترفيه بغرض إضافة مسحة جديدة على وجبة الأخبار وقضايا الساعة التي تقدمها محطته.

وهنا لمعت في ذهنه صورة غالية التي طالما عرفها بمهارتها التي لا تُضاهى بإعداد الطعام الشهي، وبموهبتها النادرة بحب الكلام و"الثرثرة".

لقد كان المبدأ بسيطا: بإمكان غالية أن تقود انتفاضة المطابخ من على شاشة التلفزيون.

أما برنامجها الثوري، فيقوم على الآتي: لا أطعمة أو طبخات فاخرة تدخل فيها مكونات ليست بمتناول اليد ويصعب على الناس العاديين تأمينها. فلا وصفات معقدة، بل طعام عادي لأناس عاديين، ولكن يجب أن يكون طعاما شهيا ورخيصا.

لقد مرَّ عام ونيف ولا يزال برنامج الطبخ الذي تقدمه الست غالية على شاشة تلفزيون (25TV) يشكل ظاهرة تلفزيونية استثنائية.

كما سجل البرنامج حضورا لافتا واهتماما كبيرا في أوساط المشاهدين، فهو يبث على الهواء مباشرة في وقت الذروة ومدته 90 دقيقة.

يتابع ملايين المشاهدين في دول عدة في منطقة الشرق الأوسط برنامج الست غالية عبر البث الفضائي.

40 ألف معجب

"استقل الباص في طريقي من المنزل إلى عملي، وأشتري الخبز من الخباز، والخضروات من السوق، وهكذا فأنا جد سعيدة بما أنا عليه، فحياتي هي هي ولم أغيرها أبدا"

غالية محمود، مقدمة برامج طبخ مصرية

كما كان لها أيضا تأثيرها اللافت في أوساط مستخدمي الشبكة العنكبوتية. فعلى الرغم من عدم امتلاكها لجهاز كمبيوتر خاص بها، فقد بلغ عدد المعجبين بها على صفحة أُنشئت باسمها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك 40 ألف معجب.

لقد زرت الاستديو الضيق الذي تقدم الست غالية منه برنامجها، وكل ما فيه هو موقد غاز قديم وبضع طناجر وقدور أكل عليها الدهر وشرب.

تبادرني الست غالية بالقول: "أنا مثلي مثل 90 في المئة من النساء المصريات."

وتردف قائلة: "استقل الباص في طريقي من المنزل إلى عملي، وأشتري الخبز من الخباز، والخضروات من السوق، وهكذا فأنا جد سعيدة بما أنا عليه، فحياتي هي هي ولم أغيرها أبدا"

ولدى زيارتي لها في الاستديو في الذكرى السنوية الأولى لانطلاق برنامجها، لم يتولد لدي في الواقع انطباع آخر عنها مختلفة عن تلك التي رسمتها لنفسها.

ولماذا تغير من نمط حياتها، وكيف لا تكون سعيدة وقد حققت كل هذا القدر من الشهرة والنجاح؟

لقد زار الاستديو المذكور أناس آخرون غيري، ومنهم رجل دين مسلم أغدق عليها الكثير من المديح والثناء.

كما زارتها أيضا فرقة موسيقية من منطقة النوبة عزفت وغنت لها بينما كانت هي تقوم بإعداد مجموعة مختارة من الحلويات المصرية الشهية.

وبينما كانت الست غالية تضع اللمسات الأخيرة على طبق ضخم مستدير من البسبوسة، راح الضيوف ينشدون من حولها أغنية بعنون "حنعمِّر مصر" (سوف نبني مصر).

حلوى وسياسة

يا له من مزيج رائع من الحلوى والسياسة!

أسأل محمد جوهر، صاحب قناة (25TV)، عن الطاهية الظاهرة، فيجيب: "الست غالية تتيح للمصريين وللعرب الآخرين أن ينظروا إلى أنفسهم كما هم في الواقع: فقراء يكافحون لتأمين لقمة عيشهم واحتياجاتهم."

أما عن ميزانيتها اليومية، فتقول الست غالية إنها تبلغ أربعة دولارات أمريكية فقط، ولا عجب في ذلك إن عرفنا أن مهاراتها في المساومة قد أضحت أسطورة في جميع أنحاء القاهرة.

أما بالنسبة للست غالية، فلا تعارض البتة بين العمل والكلام، فهي تواصل الحديث طوال قيامها بالطبخ، إذ تتلقى الاتصالات من جميع أنحاء الشرق الأوسط.

تسألها إحدى المشاهدات، واسمها ريما من السعودية: "إن أولادي يتمتعون بمزاج صعب ولا يمكن إرضاؤهم، فما تراني فاعلة؟"

"الست غالية تتيح للمصريين وللعرب الآخرين أن ينظروا إلى أنفسهم كما هم في الواقع: فقراء يكافحون لتأمين لقمة عيشهم واحتياجاتهم"

محمد جوهر، رجل أعمال مصري

وبتلقائية وبساطة منقطعة النظير، تجيبها الست غالية قائلة: "قدمي لهم الأرزَّ والفاصولياء."

أما سناء من تونس، فتقول لها إن زوجها قد انصرف عن أكلها ولم يعد يعجبه. وتضيف: "إنه يعشقك يا ست غالية، ويقول إنه يرغب بالزواج منك."

هنا تمتنع الست غالية عن التعليق، وتكتفي بإطلاق موجة من الضحك تكاد تنفجر على أثرها.

مفارقة

وعلاقة غالية مع جيل الثورة لا تخلو من المفارقات. فقد أُنشئ تلفزيون (25TV) أصلا ليكون الصوت الإعلامي لجيل ميدان التحرير.

فأحد مذيعي القناة الرئيسيين فقد إحدى عينيه خلال اشتباكات بين الثوار والقوات الأمنية التابعة لنظام مبارك، وآخر هو طبيب تخلى عن مهنة الطب العام الماضي لينخرط في صفوف الناشطين.

والمفارقة الأبرز هنا هي أن أولئك الصحفيين الناشطين الشباب ينظرون إلى التراجع الكبير في درجة الاهتمام ببرامجهم أمام الازدياد الهائل في شعبية برنامج الطبخ الذي تقدمه الست غالية بدون أدنى قدر من الاستياء والغيرة منها، لا بل هم يحتضنونها ويتقبلونها كظاهرة إيجابية.

ونعود إلى جوهر ليحدثنا عن هذه النقطة، إذ يقول: "إنها جزء من مصر الجديدة."

طبعا لم تعد غالية تعمل كخادمة، لكنها لا تزال وزوجها، سائق الباص الذي تستقله كل يوم إلى عملها، يقطنان في نفس الشقة الضيقة، ومعهما طفلتاها و12 آخرين من أفراد العائلة يعتمدون عليهما في تأمين لقمة عيشهم.

إعادة إعمار مصر

يطمح جيل ثورة 25 يناير إلى إعادة إعمار بلادهم، وإلى تذليل العقبات التي تعترض طريق ثورتهم وتحول دون نجاحها التام

لكنني أتعجب، كم يمكن أن يستمر هذا الوضع مع الست غالية دونما تغيير في نمط حياتها وحياة أسرتها؟

إعادة إعمار

لقد قامت مؤخرا مجموعة من المصريين غير المهتمين بالقائمة الرسمية بأسماء المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية التي تشهدها البلاد الشهر المقبل، بتوجيه مناشدة إلى الست غالية عبر الإنترنت، يطالبونها فيها بخوض غمار السباق على كرسي الرئاسة في مصر.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو: تُرى، هل ستصبح الست غالية رئيسة لمصر يوما ما؟

ولو صح مثل هذا الاحتمال، لأمكننا القول فعلا إن طبخ الثورة المصرية سيكون حينها على نار غاز حقيقية.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك