يوميات موفدي بي بي سي الى تونس

آخر تحديث:  الأحد، 15 يناير/ كانون الثاني، 2012، 01:48 GMT

مروة عامر

"احنا خرجنا منذ عام متحدين واليوم فى احتفالنا متحدين"، كلمات نطقت بها فتاة تونسية فى التاسعة عشرة من عمرها خرجت الى شارع الحبيب بورقيبة مع مجموعة من أصدقائها حيث احتفل التونسيون بالذكرى الأولى للثورة التونسية، لتكمل حديثها واحدة من صديقاتها تحمل لافتة مكتوب عليها "لا شعار لا أحزاب التوانسة كلهم أحباب".

وقالت هذه لبي بي سي "مفيش شعارات كلنا توانسة ولاحتى حزب يرفع شعاره ولا حتى حزب يرفع علمه احنا هبطنا يوم 14 يناير / كانون الثاني 2011 متحدين ونهبط يوم 14 جانفري 2012 أيضا متحدين".

تونس

عمت تونس الاحتفالات بذكرى رحيل بن علي

قد تحمل كلمات هؤلاء الفتيات معنى واضحا وهو رغبة الشعب التونسي فى أن يكون متحدا فى أهدافه مثلما خرج منذ عام واحد تحت أهداف واحدة هى الحرية والكرامة، لكنها لم تستطع أن تخفى الجدل الدائر داخل المجتمع التونسي بين التوجهات السياسية المختلفة.

وكانت السلطات التونسية قررت اعتبار الرابع عشر من كانون الاول/ يناير من كل عام "عيدا للثورة والشباب" وهو اليوم الذي هرب فيه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي خارج البلاد.

واكتظ شارع الحبيب بورقيبة بالمواطنين على اختلاف مشاربهم وانتمائتهم في احتفال شعبي اصطحبت فيه العائلات أبناءها واجتمع الأصدقاء مع بعضهم من خلال شعارات ولافتات حملوها.

وعند المسرح البلدي، أقيمت منصة اعتلاها الشباب التونسي للغناء والهتاف ورددوا على أنغام أغنية عيد الميلاد باللهجة التونسية "مالا راحة بن علي" ثم هتفوا بعدها بصوت بواحد الكلمة الشهيرة التي لقيت صداه عربيا وعالميا "ارحل".

لم يخل الإحتفال من رفع عدد من المطالب بعضها من خلال الهتافات وبعض آخر كتب على اللافتات التى جاء على رأسها المطالبة بتوفير العمل مثل "شغل حرية كرامة وطنية" و"التشغيل استحقاق يا عصابة النفاق"، و"أوفياء لدماء الشهداء"، و"ثورة الأحرار استكمال مهام الثورة".

وجوه مستنيرة بالحرية

وكانت الثورة التونسية خرجت للمطالبة بالكرامة والحرية، هذه الحرية التى تلمسها فى حديث أي تونسي بعد مرور عام على الثورة وقد تكون محور حديثه فى بعض الأحيان.

وفى الاحتفال وجدت رجلا يصطحب بناته الى شارع بورقيبة وهو يحمل علمين احدهما تونسي والآخر ليبي، وعندما تبادلت الحديث معه قال لبي بي سي "ارفع علم الجمهورية الليبية الجديدة وعلم تونس لإن هذا هو التكامل وان شاء الله تكمل فى سوريا واليمن".

واستكمل حديثه قائلا "اليوم عيدان، عيد الإحتفال بالثورة وعيد خاص بالحرية فانظري الى وجوه الناس تلقيها منورة".

بالكلمة ذاتها أجابتني سيدة محجبة حضرت الإحتفال مع زوجها "أصبحت المرأة المحجبة أكثر حرية بعد الثورة وتتحدث وأصبحت الوجوه منيرة لأن الخوف زال من قلوب التونسيين".

وعلى جانب آخر من شارع بورقيبة وجدت رجلين يتبادلان الحديث عن الحياة السياسية فى تونس هذه الأيام وأي الأحزاب أفضل وما هى السياسية التى يتبناها كل منهم فاستوقفت أحدهم وسألته هل هناك انقسام فى الأراء والتوجهات بين الشعب التونسي، فأجابني قائلا "فى أي دولة ديمقراطية تلقى برشا أحزاب ومتلقيهمش متفقين وهذا اختلاف فى الرأي طبيعي متلقيش دولة على رأي واحد ماتجيش فهى اختلافات عادية لا تولد الضرب والتكسير"، على حد تعبيره.

احتفالات رسمية

وفي قصر المؤتمرات بالعاصمة جرت مراسم احتفال بحضور قادة ومسؤولين عرب من بينهم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل.

وقدمت فرق موسيقية عروضا للحاضرين.

وقال رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي "يحق للشعب التونسي ان يفخر بتفجير ثورة الحرية والكرامة التي فجرت الربيع العربي واعادت الامل لكل الشعوب التواقة للحرية."

من جانبه، أكد منصف المرزوقي، الرئيس التونسي "سنمضي على درب الحرية وشعارنا اليوم هو بناء نظام جديد يحقق ارادة الشعب ويحترم القانون، ويتواصل مع المسار الديمقراطي من دون رجعة".

واضاف "نحتفل اليوم بهذه الذكرى العظيمة وسط شعور بالأسى لكل هذه العقود الضائعة تحت نظام الفساد، وما كلفنا للتخلص منها، والنشوة لأن الثورة فتحت امامنا الأبواب، وشكّلت فاصلاً بين يوم مظلم وآخر مشرق".

وفى كلمته هنأ عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الجزائرى، في اول زيارة له لتونس منذ الثورة، الشعب التونسي حيث قال "أهنئ الشعب التونسي لما أنجزه بنفسه ولنفسه، بما مكنه من فتح صفحة جديدة من تاريخه"، مضيفاً "نحن الجزائريون متفائلون لنصركم هذا".

فيما أكد مصطفى عبدالجليل أن "نجاح الثورة في تونس كان عاملاً أساسياً في نجاح الثورة الليبية"، وشكر تونس لاستقبالها عشرات الآلاف من الليبيين خلال الأشهر الستة من المعارك التي أدت الى سقوط نظام القذافي في اغسطس الماضي، ووصف ذلك بأنه أمر "لا ينسى".

منى با

بمجرد أن حطت قدماي في مطار قرطاج في العاصمة التونسية، بدأت أتحين الفرصة من أجل التحدث مع الناس لأسألهم عن شعورهم بعد مرور سنة كاملة علي انهيار نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. توقعت بسذاجة ربما أن أجد الحماس مرتسما على وجوه الناس، ولكن مظهرهم الخارجي لم يكن يوحي بأي شي عدا ما رسمه الزمن علي وجوه بعضهم من شقاء.

مسيرة بذكرى الثورة التونسية

كل جزء من الشارع الطويل كانت تحتله جماعة مختلفة في أفكارها وتوجهاتها وشعاراتها أيضا

وجدت ضالتي في سائق تاكسي أقلني من المطار إلى الفندق. لم يبد مكترثا بتخليد أية ذكري، كان قلقا فقط من المشهد الضبابي الذي يسود علي الساحة السياسية في بلاده بين أطراف تختلف في الفكر ولكن يجمعها هدف واحد وهو تحقيق مكاسب سياسية، كما يقول.

ويضيف: " كل ما أريده هو أن أكسب عيشي بكرامة وأن أعيش في بلادي بكرامة. بعدما تمكنا أخيرا من التعبير عن انفسنا بدون خوف، لن ينجح أحد في إسكاتنا. لن نقبل أبدا بذلك مجددا".

طوال الطريق إلى الفندق، سمعت تحليلا عن الواقع السياسي في تونس من وجهة نظره وبشكل خاص تخوفه ممن وصفهم بالإسلاميين والسلفيين.

تخيلت لوهلة أنني أمام محلل سياسي في برنامج حواري. وهذا الإحساس تكرر كثيرا بعد ذلك مع معظم من تحدثت إليهم ولو بشكل عابر عما يحدث في بلادهم، من النادل في الفندق إلى الباعة في الشوارع إلى الأكاديميين، كل كان له رأي وفكرة عن الواقع السياسي في بلاده. وكل كان يعبر عن رأيه بفصاحة شديدة وحسب مستواه في التعبير، بكلمات بسيطة أو بعبارات منمقة.

يوم آخر خلال رحلتي إلى تونس وسائق تاكسي آخر. كان شابا لا يتجاوز عمره الثلاثين. بمجرد أن دخلت سيارته لاحظت لحيته المنسدلة وصوت التلاوة القرآنية الذي يصدح بصوت مرتفع عبر السماعات والقرآن الموضوع أمامه إلى جانب دفة القيادة.

"الدين هو الحل". كان هذا جوابه عندما سألته عن رأيه في التطورات التي حصلت في تونس خلال السنة الماضية.

واضاف: إن "المشاكل التي يواجهها المجتمع التونسي سببها بعده عن الدين في السنوات السابقة. نهاية حكم بن علي كانت فرصة للعودة إليه وهذا ما نحتاجه. نحن الآن في الطريق الصحيح".

من يمشي في شوارع تونس العاصمة لا بد أن يلاحظ العدد الكبير من الرجال الملتحين والنساء والفتيات المحجبات، علما أنه منذ سنة فقط كانت هناك قيود كثيرة مفروضة على هذا النوع من اللباس الذي كان يطلق عليه نظام الحكم السابق اسم "الزي السلفي الدخيل".

وعج شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة التونسية بهؤلاء يوم الرابع عشر من يناير. في الساعة السابعة صباحا اصطفوا أمام المسرح البلدي الذي يقع مباشرة أمام غرفتي في الفندق.

بدأ بعد ذلك بقليل سيل من الأناشيد والشعارات والهتافات تخليدا للذكرى الأولى للثورة ، ولكن الملاحظ أن كل جزء من الشارع الطويل كانت تحتله جماعة مختلفة في أفكارها وتوجهاتها وشعاراتها أيضا وتأبى ان تختلط بالجماعات الأخرى.

بدا لي لوهلة أن ما أشاهده في شارع الحبيب بورقيبة، ما هو إلا انعكاس لما يحدث في تونس الآن بعد سنة واحدة من انهيار أول نظام عربي فيما يسمى بدول الربيع العربي.

نانسي النقيب

سوق تونسي

يقول صاحب أحد المحلات في تونس "الناس لم تعد تشتري كالسابق. ووجود الباعة المتجولين يضر بتجارتنا".

ألعاب نارية وهتافات وأغان وأشعار ... فرحة بذكرى نصر مر عليه عام، لكن ما الذي تغير في حياة التونسيين؟

"لا شيء .." هكذا أجابني أحد الباعة المتجولين في "شارع اسبانيا" أو كما يطلق عليه هنا في تونس "نهج اسبانيا"، وهو شارع بالكاد ترى ملامحه من كثرة الازدحام.

واضاف: "ظروفنا المادية لم تتحسن والبلدية لا زالت تعاملنا بسوء كالسابق. لم يتغير شيء. لا نحس أن هناك ثورة. ذهب بن علي ولكن حالنا كما هو".

ويشكو الباعة المتجولون من ضيق الحال وكذلك الحال مع أصحاب المحال التجارية التي تصطف على جانبي الشارع الذين يشكون من ضيق الحال أيضا.

"ظروفنا المادية لم تتحسن والبلدية لا زالت تعاملنا بسوء كالسابق. لم يتغير شيء. لا نحس أن هناك ثورة. ذهب بن علي ولكن حالنا كما هو"

أحد الباعة المتجولين في "شارع اسبانيا" بتونس

يقول صاحب أحد تلك المحلات "الناس لم تعد تشتري كالسابق. ووجود الباعة المتجولين يضر بتجارتنا".

ويبدو أن الشارع الضيق تحول إلى ساحة صراع بين مختلف الأطراف. بعض المحلات تفرش طاولات على الرصيف لمحاولة جذب انتباه عدد أكبر من الزبائن، أما ما تبقى من الشارع فيتنافس عليه الباعة المتجولون والسيارات والمواطنون!

فبعدما منعت وزارة الداخلية الباعة من الوقوف في الشوارع الرئيسية لبيع بضاعتهم، وبعد انتظار طويل لم ينته بعد للمحال التي ستخصصها لهم الحكومة الجديدة، لجأ هؤلاء الباعة إلى الشوارع الفرعية هربا من أعين رجال البلدية وسعيا وراء لقمة العيش.

استفقت من تأملاتي للمشهد من حولي على صراخ أحد الباعة وهو يطلب مني مغادرة المكان حتى لا ألفت انتباه الشرطة أو رجال البلدية لهم من جديد بسبب الميكروفون الذي بيدي. حملت نفسي وغادرت.

رضا الماوي

الغنوشي

هيمن الاسلاميون على الاغلبية في البرلمان التونسي الجديد

"هذه ليست تونس التي عرفتها"... هكذا استهل النادل الذي يعمل على أحد مقاهي شارع الحبيب بورقيبة كلامه - أو بالأحرى شكواه المريرة- مما آلت إليه الأوضاع في مدينته تونس بعد عام من وقوع الثورة.

"ألست سعيدا بثورة الكرامة والحرية التي يحتفل بها الناس في كل مكان؟" قلت له. فكان رده بأنه تظاهر وهتف ضد النظام السابق، وشارك في أعنف مواجهات الثورة في أوجها، ولكنه يشعر الآن بأنه يخشي أن يأتي اليوم الذي يترحم فيه على أيام "المخلوع".

ففي أيامه كان الناس لا يفكرون سوى في يومهم لأن غدهم كان دائما شبيه أمسهم. أما اليوم، فهو يفكر "لعشرة سنوات للأمام" كما يقول أثناء عمله لكسب قوته اليومي.

فمقهاه الذي كان يرتاده الناس للاستراحة من العمل أصبح مقرا دائما للباحثين عنه، أو نقطة التقاء لمئات المعتصمين يوميا من أصحاب المطالب "المعقولة وغير المعقولة" حسب وصفه.

وقال لي إنه يكاد يجزم أن منهم من أصبحوا "محترفي اعتصامات" يرتزقون من انضمامهم إلى صفوف جماعات أصبح لديها من "الخير ما يكفي الجميع".

تحول بعدها للحديث عن مهامه اليومية، التي تضمنت منذ اندلاع الثورة إبعاد المتسولين والباعة المتجولين الذين يلتفون حول الزبائن، مشيرا الى أنها من أثقل المهام عليه، فقد تظاهر من أجل هؤلاء بل وإلى جانب بعضهم أحيانا.

وعندما يهم للعودة بحلول منتصف الليل، أصبح يتلفت حوله في حذر بسبب غياب الشرطة، بعد أن كان يفعل الشيء نفسه في الماضي بسبب إحساسه بأنها تراقبه طوال الوقت!

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2012 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك