مع تنامي قوتهم، الاتراك يتلمسون فجرا جديدا

آخر تحديث:  الاثنين، 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2011، 19:30 GMT
منظر من اسطنبول

ثقة الاتراك بانفسهم زادت مع تحسن قدراتهم الاقتصادية

تمثل القبة المجاورة لأسوار إسطنبول القديمة أحد المعالم السياحية الجديدة بالمدينة. ويصور المنظر البانورامي المصاحب بتأثيرات صوتية تشكلها أصوات المدافع وقعقعة القتال تلك اللحظة المشهودة من عام 1453 حينما فتح السلطان العثماني محمد الفاتح مدينة القسطنطينية.

الرسوم على الأسوار تصور القوات التركية وهي تتأهب للهجوم الأخير. وعبر السماء ترى لهيب القنابل النارية وقد تركت بعد إطلاقها ذيولا من الدخان، وشيئا فشيئا يزداد سعير المعركة، وتأخذ أسوار المدينة في التهاوي، ثم تسقط المدينة وتنتهي أيضا - في العرض- حقبة الإمبراطورية العثمانية.

تزدحم منطقة القبة بأطفال الرحلات المدرسية الأتراك وقد تعالت أصواتهم بسبب الإثارة، وبدا على وجوههم الانبهار بمرأى هذا الجانب من ماضيهم المجيد.

يقول الطفل جانسو، البالغ من العمر 15 عاما "إنها لحظة معبرة، ليس هناك شيء أكبر، إنها تجعلك تحس بشعور عظيم".

جسر دبلوماسي

تركيا اليوم تمر بمرحلة انتعاش، ومع تنامي قوة اقتصادها بزغت مرحلة جديدة من الثقة أدت بالبعض إلى التساؤل: هل يمكن أن تفضي طموحات العثمانيين الجدد إلى إعادة الروح لدورهم كقوة مهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

الدبلوماسيون الأتراك لا يحبون الحديث عن فكرة "العثمانية الجديدة"، لكنهم يشيرون إلى أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وهي أيضا شريك تجاري مهم في الاتحاد الأوربي، وأنها لا تزال إلى جانب ذلك شديدة الالتزام بالإصلاحات التي ستؤهلها لعضوية الاتحاد الأوربي، إذا حانت تلك اللحظة.

كما يؤكدون على أن بلادهم جسر دبلوماسي بين الشرق والغرب، وليست قوة ذات تطلعات استعمارية.

غير أن تركيا في السنوات الأخيرة لم تكن فقط تعمل بتناغم مع الغرب، بل إنها أيضا دعمت روابطها مع إيران.

وقد أدت خلافاتها بشأن غزة إلى تدهور علاقتها مع إسرائيل إلى درجة التجمد. كما أن علاقاتها مع الزعماء العرب ومن بينهم الزعيم الليبي السابق العقيد القذافي والرئيس السوري بشار الأسد قد تحسنت بناء على سياسة جديدة تدعو إلى "لا مشاكل مع الجيران".

الإسلام والحداثة

غير أن تلك السياسة قد عكست سريعا عندما اندلعت الانتفاضات في بعض أجزاء العالم العربي هذا العام.

لكن دور تركيا مع ذلك لم يتراجع، إذ إنها تقدم نفسها للحكومات الجديدة في دول ما يعرف بالربيع العربي نموذجا يوضح كيف يمكن للإسلام مسايرة الحداثة جنبا إلى جنبا.

وقد حظي رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بحفاوة الجماهير في جولة ناجحة زار خلالها مؤخرا تونس ومصر وليبيا.

في إسطنبول ستجد أعضاء في المعارضة السورية يتظاهرون خارج القنصلية السورية عقب صلاة الجمعة، ومجموعة صغيرة من المحتجين يلوحون بالأعلام السورية مطالبين الرئيس الأسد بالرحيل.

ويعبر أعضاء المعارضة السورية في المنفى عن امتنانهم لما أبدته تركيا من استعداد للسماح لهم بالإقامة فيها، لكنهم مازالوا يخشون ما قد يواجهونه في المستقبل.

ويعبر عن ذلك عمر شواد أحد أعضاء المجلس الوطني السوري بقوله "إن الوضع في سورية خطير للغاية. الرئيس الأسد لم يعد له أصدقاء، فيما عدا إيران. ولذلك فلا مخرج له، وهذا يعني أن عليه القتال حتى النهاية".

ويضيف عمر: "إذا قرر العالم الخارجي، بدعم من جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، اتخاذ إجراء ما فستكون تركيا في الشمال والأردن في الجنوب هما اللاعبين الرئيسيين".

ويقول: "لو تم تدخل خارجي في سورية فيجب أن تكون هناك قاعدة وتلك القاعدة لا يمكن أن توجد إلا هنا، ولذلك فإن تركيا في غاية الأهمية".

ستواجه تركيا نتيجة لذلك بعض المخاطر. فإذا تمكن نظام الأسد من البقاء لن تستطيع تركيا العودة إلى العلاقات الحميمة مع جيرانها.

كما أن انخراط تركيا في أي نوع من التدخل قد يعني وجود قوات تركية على الأراضي السورية أو أي أراض عربية أخرى وهذا يمثل خطرا آخر لتركيا.

القوة الناعمة

ولا يقتصر إبراز القدرات العسكرية التركية على خطابها السياسي وإمكاناتها في أي عمل عسكري محتمل فقط، بل يتعدى ذلك إلى ما يعرف بالقوة الناعمة والجوانب الثقافية التي تدعم علاقاتها مع جيرانها بطرق أخرى.

في موقع تصوير أحد المسلسلات في ضواحي إسطنبول، أقيم نموذج دقيق يصور القسم الداخلي لقصر السلطان العثماني. أخذ المشاركون في المسلسل في إعداد الأضواء، بينما يراجع فنانو المكياج اللمسات الأخيرة للممثلين، وخليلات السلطان يمشين وهن يرتعشن قليلا داخل أثوابهن الحريرية وقد غطت وجوههن براقع شفافة في انتظار إشارة البدء.

مسلسل "سليمان الأكبر" هو أحدث المسلسلات الطويلة الناجحة في تركيا. تدور أحداث المسلسل في القرن السادس عشر الميلادي حينما كانت أطراف الإمبراطورية العثمانية تمتد عبر معظم منطقة الشرق الأوسط، وتلك عناصر غنية لأي قصة تعبق بالعواطف وأسرار السياسة.

مخرجا المسلسل شقيقان هما: ياجمور ودورول تايلان. يعتقد الشقيقان أن جاذبية العمل تكمن فيما يثيره من حنين إلى الماضي وعودة إلى عصر ذهبي مضى.

يقول دورول: "كل واحد يسعى إلى السلطة. ونحن في تركيا نريد كلنا أن نحس بما كان يحس به سليمان. تشعر بذلك عندما تتحدث إلى الأتراك اليوم".

ديمقراطية المسلمين المحدثين

المسلسلات التركية يكمن وراءها رسالة أخرى إذ أثبتت أنها على غير المتوقع وسيلة للسياسة الخارجية عبر الحدود.

في أحد قوارب الترفيه عبر مضيق البسفور توجد مجموعة من شباب العرب السائحين المتزوجين حديثا والذين يقضون شهر العسل وهم يشاهدون الشاطئ من على القارب.

عندما يمر القارب بأحد قصور السلطان الفخمة يندفع الشباب لالتقاط الصور. إنهم يعرفون القصر جيدا، فقد شاهدوه منظره الخارجي في أحد المسلسلات التركية التي غمرت شاشات التليفزيون في العالم العربي.

ومنذ أن جذبت تلك المسلسلات التليفزيونية انتباه المشاهدين في المنطقة، زاد عدد السواح العرب القادمين لتركيا - كما يقول الموزعون - عشرة أضعاف خلال ست سنوات.

من بين هؤلاء السواح حمزة ورجاء من الأردن وهما يقضيان شهر العسل هنا في تركيا: هو يلبس بنطالا من الجينز وهي تغطي وجهها بالحجاب. تركيا بالنسبة لهما بلد غير عادي ولكنه آمن. وتركيا في ذلك مثل مسلسلاتها التي تبدو عادية لكنها مثيرة، تقدم لهما ما يطمحان أن تكون عليه بلادهما: بلد مسلم ولكنه حديث وأوربي أيضا.

ولذلك فإن القدوم إلى إسطنبول فرصة لمشاهدة بلد غربي من حيث الأسلوب من دون مخاطرة الخوض كثيرا في المجهول.

يبدو مثل هذا الشعور بالنسبة لبعض المثقفين الأتراك في إسطنبول ذا شقين متناقضين: قد تبدو تركيا الحديثة بلدا غير عسكري، لكن ليس كل الأتراك يعتقدون أن تركيا تتمتع بالحق في تقديم نفسها كنموذج لبلد مسلم ديمقراطي.

في معرض الكتاب الدولي في إسطنبول هناك اندفاع إلى جزء واحد من المعرض، إذ يتجمع عدد من الزائرين تأييدا لناشر صحفي مشهور هو رجب زاراكولو الذي تغطي إعلاناته الحوائط.

لقد اعتقل زاراكولو مؤخرا واحتجز من دون تهمة، وهو واحد من العشرات الذين ألقي القبض عليهم في حملة كبيرة على المتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني المحظور.

إن عدد الصحفيين في السجون في تركيا - طبقا لما يقوله معهد الصحافة الدولي - يزيد على ما لدى الصين أو إيران. وكثير من هؤلاء لم توجه لهم تهمة.

لكن الحكومة تقول إن قوانينها لمكافحة الإرهاب ضرورية للتغلب على جماعة المتمردين الأتراك "المخربة" التي أصبحت مشكلة كبيرة خلال هذا الخريف.

إلا أن منتقدي الحكومة يقولون إن حكومة أردوغان قد بدأت أيضا استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في ترهيب الصحفيين والأكاديميين الذين يتجرأون على الانتقاد، وأن هناك خطرا في انزلاقها إلى السبل التسلطية التي كان كثيرون في تركيا قد اعتقدوا أنها جزءا من الماضي.

نوري ميرت باحثة في العلوم السياسية في جامعة إسطنبول وهي أيضا صحفية في صحيفة ميلليت اليومية. وكانت نوري تقدم برنامجا تليفزيونيا ألغي بعد هجوم رئيس الوزراء عليها علنا واتهامها بالخيانة.

وقد سرب خلال هذا الخريف نص مكالمة هاتفية خاصة جرت بينها وبين صديق لها يقبع حاليا في السجن إلى صحيفة موالية للحكومة مصحوبا بتعليقات تتهمها بالتعاطف مع الانفصاليين الأكراد. إن الشعب التركي شعب محب لقوميته والمشكلة أن الحكومة تشجع أي رد فعل شعبي ضد أي شخص ينتقد سياسة الحكومة.

وهنا تكمن مفارقة: إذ إن الحزب الحاكم الذي اكتسح الانتخابات فائزا بسبب شعبيته الحقيقية، هو ذاته الحزب الذي يرفض أي انتقاد على أنه عمل غير وطني. وهذا يفرض سؤالا كبيرا:

كيف تعرض تركيا نفسها كقوة كبيرة ذات نفوذ حقيقي في المنطقة، إن لم تواجه ما لديها من خلل في الداخل، وفي مقدمة وجوه هذا الخلل مسألة القيود المفروضة على حرية وسائل الإعلام.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2012 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك