سورية والطريق الطويل لتحقيق المساواة بين الجنسين

مراسلة بي بي سي، لينا سنجاب، تحاول تفسير قضية عدم تحقيق المساواة بين الجنسين في سورية بعد، وذلك على الرغم من المواقف الاجتماعية المتساهلة حيال الأمر، على الأقل في العاصمة دمشق.

في أحد أسواق دمشق

لا تزال النساء في معظم أنحاء سورية تعيش حياة تمليها عليهن أمور كالتقاليد والدين والأسرة

تبدو دمشق هذه الآونة أكثر عصرية وحداثة، فمع انفتاح سورية على العالم، تتكاثر المقاهي والمطاعم التي تتبع الطراز والعادات الغربية وتنتشر في أنحاء مختلفة من المدينة.

فهنا ترى الرجال والنساء يجتمعون سوية ويرتشفون القهوة ويدخنون في الأمسيات. كما ترى هنا أيضا الحانات المكتظة بالرواد المتحررين فكريا من سكان المدينة، والذين يجتمعون معا على زجاجة نبيذ أو عرق من النوع الذي يُنتج محليا.

سياسة ورقص

وهنا قد تبدأ سهرات الليالي بنقاش حيوي حاد حول هموم وأوجاع السياسة، لكن المتحاورين ينهون ليلتهم تلك بالتمايل وسط حلبات الرقص.

لكن، ورغم أن مثل هذه المشاهد قد أمست مألوفة ودارجة في ربوع العاصمة دمشق، فهي لا تشكل القاعدة التي تسري على معظم أنحاء البلاد.

فلا تزال النساء في معظم أرجاء سورية تعيش حياة تمليها عليهن أمور كالتقاليد والدين والأسرة وغيرها.

حيطة وحذر

دعني أقول إنه يتعين عليك التحلي بقدر كبير من الحيطة والحذر إن أنت أردت إماطة اللثام عن قصص تلك النسوة وكشفها للعلن، فهن ببساطة غالبا ما يكنَّ مخفيات أو مخبَّآت في غياهب هذا المجتمع المتزمت.

إن عائلتها ذات سمعة عطرة وهم مسلمون ملتزمون. أنا واثقة أن ابني سوف يكون سعيدا بأن تكون زوجة له

امرأة سورية مسنة تحضر حفل عرس لاختيار عروس لابنها

وحياة بعض النساء هنا، كما أعتقد، أشبه ما تكون بتلك البيوت الدمشقية القديمة. فإن أنت دخلت واحدا تلك الأبنية، التي قد تبدو غامضة ومبهمة ورتيبة من الخارج، سرعان ما تطالعك الفناءات الساحرة الجميلة ونوافير المياه الممتلئة حالما تلج الباب الخشبي للمنزل.

لنتوجه إلى إحدى ضواحي العاصمة دمشق حيث يُعقد حفل زفاف زينب، وهي صبية تبلغ من العمر 21 ربيعا.

لا لقاء

تقول زينب إنها لم تلتقِ بزوجها البتة، لا في حانة ولا في مطعم، بل تؤكد أنها لم تلتقه قطُّ قبل يوم خطوبتهما. كما أن أهلها هم من تولوا ترتيب شؤون حفل زفافهما، تماما كما هي الحال بالنسبة للعديد من الأعراس التي تجري في هذا الجزء من العالم.

تقول زينب إنها اعتادت على فعل ما يُطلب منها أن تفعله. فهي تعمل طوال اليوم مدرِّسة في إحدى المدارس، وعندما تعود إلى المنزل تباشر إنجاز عملها اليومي الثاني: الطبخ والتنظيف والغسيل لكافة أفراد الأسرة.

هنا تمتد قضية الفصل الصارم بين الجنسين لتطال حفل الزفاف نفسه، وذلك كما رأيت بأم عيني عندما حضرت حفلة عرس زينب. فعندما دخلت قاعة الاحتفال، وجدتها مليئة بالنساء اللائي كنَّ سافرات لا يغطِّي أيديهن أو رؤوسهن شيء.

عروس وفتيات

تجلس العروس بفستانها الأبيض الأنيق وسط المنصة، حيث تتحلق من حولها الفتيات اليافعات اللائي رحن فيما بعد يتمايلن بفساتينهن ذات الألوان الزاهية الطويلة على وقع أنغام الموسيقى.

يبدو واضحا أن الفتيات تكن مشاعر الغيرة والحسد للعروس ويأملن بأن يجلسن في مكانها ذات يوم.

يشعر الكثير من الرجال بالخوف والذعر من مجرد الخروج مع امرأة قوية ومستقلة، فهم يريدون امرأة لا تناقش ولا تجادل

ليلى، امرأة سورية

يبدو الحفل للوهلة الأولى وكأنه ضرب من ضروب الترفيه أو التسلية وحسب، ومع ذلك هنالك ثمة هدف تقليدي من وراء تنظيم مثل تلك الأعراس والاحتفالات. فالابتسامات والرقصات وهز الخصور وتمايلها كلها حركات مدروسة وهادفة ترمي الفتيات والنساء من ورائها إلى ترك أفضل انطباع وأثر لدى أمهات أزواج المستقبل المحتملين.

أسلوب "صارخ"

أتلفَّت من حولي، فتأخذني الدهشة للأسلوب الصارخ الذي يجري من خلاله مثل هذه الأمور، فهنالك صفوف كاملة من الكراسي التي ملأتها نساء أكبر في السن وقد رحن يراقبن عن كثب الفتيات الحاضرات في الحفل.

تمسح أعين تلك النسوة المنصة وتتفحصها بدقة، وقد غطَّين أفواهن بأيديهن ورحن يتبادلن الهمسات ويناقشن محاسن ومساوئ كل من الفتيات الحاضرات وكأنهن بضائع معروضة في واجهة أحد المحلات التجارية.

تهمس إحدى النساء المسنات قائلة وهي تشير إلى إحدى الفتيات التي تتمايل أمامها في حلبة الرقص: "تلك هي ابنة أبي محمود، صاحب بقالية الحارة."

سمعة "طيبة"

وتردف قائلة: "إن عائلتها ذات سمعة عطرة وهم مسلمون ملتزمون. أنا واثقة أن ابني سوف يكون سعيدا بأن تكون زوجة له."

والغريب في الأمر هو أن الأمهات هن من يفرضن ممارسة لعبة التفرقة تلك ضد النساء في مجتمع أبوي كالمجتمع السوري. فالواحدة منهن تقول عادة لابنتها: "أنتِ لا تستطيعين فعل هذا، فأنت فتاة"، أو " عليكِ احترام أخيكِ، فهو رجل، وما يقوله أخوك هو الذي يجب أن ينفَّذ."

وفقا للإسلام، نحن نساوي فقط نصف رجل، إذ يحتاج الأمر إلى امرأتين لكي تشهدا على وثيقة قانونية يمكن لرجل واحد أن يوقعها بمفرده

هبة، محامية سورية

وبالنسبة للفتيات من أمثال زينب، يكون من الطبيعي تماما فعل الأمور بالطريقة التي ترتضيها أسرهنَّ، إذ تبدو أي طريقة أخرى مستحيلة تماما.

وصول العريس

ويصل العريس فجأة، فتسارع النساء إلى تغطية أنفسهن، ويظهر الحجاب على رأس كل النسوة الحاضرات فلي القاعة، كما يتوقف الجميع عن الرقص.

إن دمشق هي فقاعة التحرر في سورية. لكن حتى هنا تشعر النساء بذلك الحاجز التقليدي الذي يحيط بهن. فكل امرأة تقريبا، وحالما تطأ قدماها خارج عتبة منزلها، تعرِّض نفسها لدرجة معينة من المضايقة والإزعاج.

فسواء أكانت النساء مغطَّاة أم لا، فهن معتادات هنا على سماع لغة سوقية سيئة تخالف الأعراف والتقاليد، والتعرض لإيحاءات جنسية تصدر عن مراهقين محبطين، وحتى أحيانا عن رجال أكبر في السن.

نظرات رجولية غاضبة

كما أن النساء معتادات على رؤية رجال ينظرون إليهن بغضب عندما يصادفوهن في الشارع.

ويقوم الرجال في بعض الأحيان بمس النساء ولمس بعض المناطق من أجسادهن. بالطبع هذا ممنوع ومحرَّم بشكل صارم، لكن يتم الإبلاغ عن حالات كهذه، وإن كان بشكل نادر.

من هنا، ننتقل إلى مقهى حديث في مدينة دمشق حيث نلتقي بهبة وليلى، وكلاهما في الثلاثينيات من العمر، وقد جلسن يحتسين الشاي بعد عمل يوم طويل.

لباس عصري

إن البعض لا يزال يفضل الشاهد الذكر على الشاهدة الأنثى، فهم يرون أن الرجال يتمتعون بمصداقية أكثر

هبة، محامية سورية

ترتدي كل من ليلى وهبة بنطالا من الجينز، وقطعة لباس أخرى تنمَّ عن حداثتهما ومواكبتهما للعصر، كما تظهر ذلك تسريحة شعريهما. لقد راحت المرأتان تتجاذبان أطراف الحديث وتتحدثان عن تفاصيل حياتهن الحافلة بالمشاغل.

هبة وليلى هما مثالان نموذجيان عن الطبقات الوسطى المتحضرة في سورية. فهما امرأتان عاملتان وناجحتان، إذ أن كلا منهما تُعتبر المعيل الرئيسي لأسرتها. كما أنهما تتمتعان بقوة الشخصية وتتحدثان بثقة كبيرة بالنفس.

ومع ذلك، تقول هبة وليلى إنهما تشعران بأن المجتمع ليس مستعدا بعد لتقبُّل امرأتين مثلهما.

خوف وذعر

تقول ليلي: "يشعر الكثير من الرجال بالخوف والذعر من مجرد الخروج مع امرأة قوية ومستقلة، فهم يريدون امرأة لا تناقش ولا تجادل."

أمّأ هبة، وهي محامية، فتبادرنا بضحكة ملؤها الأسى وهي تشعل سيجارتها، قبل أن تعود لتحدثنا عن الكيفية التي تُعامل بها النساء في مهنتها.

امرأة سورية

هنالك ثمة حفنة من النشطاء الذين يقاتلون من أجل معاملة أكثر مساواة للنساء في سورية

تقول هبة: "وفقا للإسلام، نحن نساوي فقط نصف رجل، إذ يحتاج الأمر إلى امرأتين لكي تشهدا على وثيقة قانونية يمكن لرجل واحد أن يوقعها بمفرده."

شهود ذكور وإناث

وتردف قائلة: "وعلى كل حال، فإن البعض لا يزال يفضل الشاهد الذكر على الشاهدة الأنثى، فهم يرون أن الرجال يتمتعون بمصداقية أكثر."

إلاَّ أن الأمور تتغير في سورية، إذ هنالك ثمة حفنة من النشطاء الذين يقاتلون من أجل معاملة أكثر إنصافا ومساواة للنساء في البلاد.

لكن، إن كانت التفرقة لا تزال تؤثر على أناس حتى من أمثال هبة وليلى، فمن الواضح أن التغيير في هذا المجال سوف يأتي ببطء.

bbc.co.uk navigation

BBC © 2012 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك