
جهود مضنية لإنقاذ ما تبقى من كنوز المجمع العلمي المصري.
كان محتملا فقدان عشرات الآلاف من الوثائق التاريخية في أعقاب الحريق الذي شبّ بالمجمع العلمي المصري خلال مصادمات بالقرب من ميدان التحرير الشهر الماضي.
الآن تعمل أعداد كبيرة من فرق الانقاذ ليل نهار من أجل الحفاظ على تاريخ مصر المكتوب.
نظر حارس يرتدي ملابس مدنية كان موجودا داخل مكتب دار الوثائق القومية إلى الكاميرا التي معي بعين الريبة. كان على الطاولة أمامه مسدس أسود ضخم، وبعد نقاش مقتضب مع مرافقي ومكالمات تليفونية من رؤسائه في العمل، سمح لنا بدخول المكان.
دلفت إلى الغرفة المجاورة، حيث توجد أكوام من الصحف وفريق من الرجال والنساء يضعون كمامات على وجهوهم ويؤدون عملهم بجد.
عكف هؤلاء على إنقاذ الكتب والمخطوطات القديمة بعدما تعرضت للتلف عندما نشبت النيران في أقدم مجمع بحثي علمي في مصر.
أسس نابليون بونابرت المجمع في العام 1798، ويعد أحد أقدم أكاديميات الفنون والعلوم خارج أوروبا.
قاد بونابرت جهودا لجمع أحد أبرز الأعمال بالمجمع وهو كتاب "وصف مصر"، الذي يأتي في 23 مجلدا ويعود لعام 1809. ويشمل الكتاب، الذي وضعه أكثر من 150 أكاديميا فرنسيا، وصف الحضارة والطبيعة والحياة المعاصرة في مصر.
وأتلفت النيران بصورة جزئية نسخة أولية من الكتاب. كما كان يوجد في المجمع أكثر من 200,000 مرجع نادر ومخطوطة، يعود تاريخ بعضها إلى القرن السادس عشر، وكتبت بخمس لغات هي العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية.
ومن بين مقتنيات المجمع خطابات بخط اليد وعشرات الآلاف من الخرائط، بما في ذلك 1752 أطلسا لشمال وجنوب مصر ، وأطلس ألماني لمصر وإثيوبيا يعود لعام 1842.
قبس من التاريخ
وصفت إرينا بوكوفا، المدير العام باليونيسكو، الحادث بأنه "خسارة بالنسبة لمصر والعالم لا يمكن تعويضها."

المشاركون في جهود إنقاذ التراث المصري يشعرون بأهمية عملهم.
وغطى عمال الإنقاذ داخل دار الوثائق القومية نسخا من الكتب بأوراق صحف لامتصاص الرطوبة.
وكان يوجد في الرواق المجاور أكوام من القطع الصغيرة البلاستيكية. وسيتعين فتح كل منها وفحصه وإعادة جمعها كل ثلاثة أيام، في إطار عملية مرهقة ستستغرق أسابيع عدة ويستمر فيها عمال الانقاذ حتى ساعات متأخر من الليل.
تملأ الغرفة تلال من الكتب والورق، وتنتشر فيها قطع من الورق تحتوي على قبس من التاريخ.
مشيت على أطراف أصابعي داخل الغرفة كي لا أطأ قطعا من الورق تعود لمئات السنين. وترك ذلك في النفس شعورا حزينا، مثل المشي على قبر شخص ميت.
كارثة
أخذت منى محمد عبده، رئيس قسم ترميم الكتب في دار الوثائق القومية، استراحة من عملها لتطلعني على ما يحدث داخل المكان.

إحراق المجمع العلمي صدم المصريين.
وعلقت قائلة: "إنها كارثة. وهذه أول مرة أعمل فيها على شيء بهذا النطاق. لقد وصلت ثلاثون شاحنة محملة بالكتب خلال الأيام القليلة الماضية."
وأضافت: "لم يكن لدينا مكان لهم، ولذا في البداية كنا مضطرين للجوء إلى وسائل طبيعية لتجفيف الكتب."
واستطردت قائلة: "وضعنا الصفحات على الأرض في الحديقة وعلى أسقف المبنى لتجف. وكان بعضها لا يزال يتصاعد منه الدخان. كنا مضطرين لوضع الماء عليها لإخماد الحريق."
كثير من العمال الذين يقدمون يد المساعدة ليسوا متخصصين ولكن متطوعين عاديين. وبينما كانت تعمل على بعض الورق، نظرت إليّ بشرى (24 عاما) وارتسمت على شفتيها ابتسامة.
وقالت: "هذا إرثنا وثقافتنا. هذه الأشياء مهمة، ولذا كان من المهم أن آتي لأساعد.
وأضافت بشرى: "قالوا إنها كانت ستمطر قريبا، ولذا كان علينا التحرك سريعا لإخراج الأشياء من حديقة مكتب دار الوثائق."
وعلى الرغم من مرور أسابيع عدة، لا زالت بعض الكتب تحت أنقاض المجمع.
يقع المجمع قريبا من ميدان التحرير، حيث يعسكر متظاهرون يعارضون المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد منذ سقوط نظام الرئيس حسني مبارك.
أعاقت الاحتجاجات المستمرة جهود الانقاذ، ويتردد أن المبنى نفسه يواجه خطر الانهيار، ولاسيما مع ظهور فجوة في سقف المبنى.
وخلال ذلك فقدت الكثير من الكتب للأبد.















